السعودية وخيارات المستقبل

0

wm

 

تمثل السعودية منذ نشأتها أكثر الدول تلكؤا في مجاراة حركة التاريخ، ويعود ذلك إلى التزاوج بين إرثها القبلي من ناحية ودعوتها الوهابية المصرة على المكوث في كهف التاريخ من ناحية ثانية وغلبة النموذج الريعي على بنية اقتصادها من ناحية ثالثة ، وهي عوامل ساهمت في قدرة الدولة على صد رياح التغيير التي كانت تهب من الاقليم ومن العالم.
لكن الركائز الثلاث السابقة بدأ يعتريها بعض التشقق في جدرانها، فالإرث القبلي ورغم استمرار قوته على صعيد السلطة والمجتمع، فإن التنامي الهادئ لفئة التكنوقراط بفعل التعليم والبعثات للخارج والاحتكاك الداخلي مع شرائح متنوعة جدا من العاملين الاجانب ودور وسائل الاعلام..الخ بدأ يترك آثاره على المجتمع والسلطة.
أما الإرث الوهابي ، فلعل تحجره هو مشكلته المركزية،ويبدو ان الصدام معه بدأ يلوح في الافق ، وهو ما بدأت ملامحه مع “السماح الرسمي لبعض المسلسلات السعودية بتقديم صورة رجل الدين بطريقة يغلب عليها السخرية( مثل طاش ما طاش)، ثم غض الطرف عن بعض الاختلاط في جامعات محددة اعتبرت من مشاريع أشخاص محددين في السلطة، مرورا بتدفق الفضائيات الممولة سعوديا والتي تبث برامج ومسلسلات وأغان يغلب عليها ” الغرائزية”، وصولا للصدام بين السلطة وجناح في الحركة الدينية (الاخوان المسلمين واعتبارهم حركة ارهابية)، إلى تقليم أظافر هيئة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر…الخ، مضافا لها الوعود في خطة الامير محمد بن سلمان لعام 2030 برفع نسبة مشاركة المرأة (الهدف الدائم لسهام الوهابية) من 22% حاليا إلى 30%.
أما الجانب الريعي والذي شكل اسمنت التحام المجتمع والحركة الدينية مع البنية القبلية للسلطة والمجتمع، فقد بدأ يواجه خلال العام ونصف الماضي ما لم تألفه النخبة الحاكمة او المجتمع السعودي(وبشكل اصعب كثيرا من ازمة 1989)، ويكفي التوقف عند المؤشرات التالية:
– عام2002 كان الاعتماد على الموارد ” غير النفطية ” يصل إلى لحوالي 20%، انخفض الاعتماد على غير الموارد النفطية من 2006- الآن إلى نسبة حوالي 18%، أي خلافا للمأمول.
– عجز الموازنة يقدر له ان يصل إلى 13,5% من اجمالي الناتج المحلي، لكن بيع 5% من ارامكو يمكنه من توفير حوالي مئة مليار دولار، لمواجهة نسبة بطالة تصل إلى حوالي 12%
– الإعلان في خطة 2030 عن القفز في انتاج الاحتياجات العسكرية من انتاج 2% إلى حوالي النصف أمر فيه “طموح غير واقعي ” بكل المعايير.
استمرار المغامرات العسكرية السعودية في المنطقة وغيرها سيجعل قوة جذب المستثمرين تخبو تدريجيا ما يزيد الأمور عسرا، نلهيك عن تكلفة هذه الحروب مما جعل الانفاق السعودي الدفاعي عام 2015 يساوي 82,5 مليار دولار( ما يساوي الانفاق الروسي والأسرائيلي)
– الجوانب الهيكلية: يستبعد أغلب المتخصصين في قطاع النفط عودة أسعار النفط “لربيعها “،وهو ما يعني :
أ- قد يبلغ عجز الموازنة عام 2016 حوالي 87 مليار دولار، مضافا لعجز عام 2015 والذي بلغ 98 مليار دولار.
ب-مواجهة احتياجات مجتمع يضم 22 مليون نسمة منهم 68% دون عمر 30 سنة ، وهو ما يجعل المطالب الموجهة للحكومة تتزايد مع ظاهرة ” تزايد التوقعات”(rising expectation).
ج- سيواجه المجتمع السعودي خلال الفترة القادمة الاحتمالات التالية:
استمرار رفع الدعم عن الماء والكهرباء والوقود، واحتمال الشروع في فرض الضرائب المختلفة
الاستغناء عن الآلاف من العاملين (ولعل ما وقع مع شركات بن لادن مؤشر على ذلك رغم وجود ظلال سياسية وراء هذه الشركات تحديدا)، وقد ذكرت واشنطن بوست ان عشرات الآلاف تم الاستغناء عنهم في عدد من الشركات، مما دفع بعضهم للاحتجاج العلني لا سيما العاملون في قطاع البناء في مكة لأنهم لم يتقاضوا رواتبهم منذ شهور.
حذر تقرير لصندوق النقد الدولي العام الماضي من أن السعودية قد تقف على باب نفاذ الاحتياطي المالي خلال خمس سنوات إن لم تقم باصلاحات جذرية، لكن الاصلاح الاقتصادي لا بد من اصلاح سياسي يرافقه،وهو ما يمثل ” كعب أخيل” في البنية السعودية.
ان الإدارة السعودية ستواجه مشكلة ، فهي من ناحية قد تضطر لتقليص العاملين الاجانب لاسيما في القطاعات المهنية الوسطى ،لكنها لا تتوفر على كوادر سعودية لتغطية الاحتياجات المحلية في هذا الجانب.
أن تقليص الدولة من نفقاتها المعتادة ، سيؤدي لتقلص مساحة الاستثمارات لرءوس المال المحلية ، مما يؤرق كبار رجال الاعمال السعوديين. وقد يمتد للصدام مع بعض افراد العائلة بسبب تأثير الخطة الاقتصادية علي مكاسبهم في هذا القطاع تحديدا.
وعند النظر في البعد السياسي ثمة جوانب تستحق التأمل لما يترتب عليها من تداعيات:
الصراع الصامت داخل الأسرة والذي يتبدى في تنامي التوجهات لانتقال السلطة لمحمد بن سلمان من فوق رأس ولي العهد المعين(محمد بن نايف)، ويتضح ذلك في ان مساحة حركة الأول تتفوق كثيرا على مساحة حركة الثاني، ولعل التعديلات الوزارية المتلاحقة تشير لمخاض ترتيب الانتقال .
أن توجهات ولي ولي العهد تخلق مزيدا من الهواجس لدى أجنحة الحركة الدينية المختلفة، مما يعمق الشرخ بين الحركة المجتمعية المنظمة والسلطة السياسية.
الاحتقان الشيعي في شرق السعودية( منطقة النفط ) يحتمل ولو نسبيا انتقال الاضطراب لها بمستويات غير معهودة.
إن القدرة على التعمية عن ما يجري، ضعفت بسبب اضواء الانترنت الساطع وانتقال الوثائق المكشوفة على غرار ويكيليكس واوراق بنما..الخ.، واصبحت قدرة السلطات السياسية في كل دول العالم –حتى الديمقراطية- على دفن أوزارها تتضاءل تدريجيا.
تنامي قضايا حقوق الانسان وضغوط المجتمع الدولي لتحقيق بعض الممارسات الديمقراطية(بغض النظر عن النوايا في الكثير من الاحيان) ستؤثر على قبضة السلطات السياسية في التحكم بثقافة المجتمع في إطار متكلس.
التراجع المالي للدولة يجعل القدرة على توسيع دائرة المجال الحيوي لها في الاقليم تتراجع ، مما يفقد
الدولة مساحات نفوذها التقليدي
تزايد غواية الاقتراب من اسرائيل ( بدءا من لقاءات عشقي وتركي الفيصل وظلال جزر تيران وصنافير وعودة الحديث عن المبادرة العربية – السعودية- ، وتصريحات نيتنباهو,,الخ سيقلص من مساحة التوظيف الديني سياسيا لا سيما على المستوى الداخلي.
تسرب بعض التثاؤب للعلاقة بين السعودية وسندها الدولي(الولايات المتحدة) لأسباب كثيرة، مما يعزز الضغوط على السلطة السياسية.
عناد القوى المعادية للسعودية –بخاصة إيران- في الاستجابة للتوجهات السعودية ، مما يخلق مزيدا من التوتر في بيئة صنع القرار السعودية .
وهنا يأتي التساؤل المهم : ما هي الخيارات السعودية المستقبلية:
العودة لسياسات الظل استجابة لتراجع الامكانيات، وهو ما يعني الانكفاء للدائرة الخليجية فقط
استمرار التلذذ بوهم الامكانيات والدور الاقليمي مما سيزيد من الضغط على الامكانيات المتقلصة ويخلق ارباكا في الجمع بين الطموح والإمكانية.
مواجهة ” صراع قصر” قد يربك المشهد كله
هي خيارات “احلاها” مرُ…ربما.

 

الاستاذ الدكتور وليد عبد الحي : استاذ العلاقات الدولية والدراسات المستقبلية – جامعة اليرموك

عضو الهيئة الاستشارية في مركز شُرُفات

About Author

Dr. Saud Alsharafat ,Founder, CEO, and Chairman of Shorufat Center for Globalization &Terrorism Studies, Amman-Jordan, with a pioneer’s vision for bringing 28 Year intelligence analysis, operation, counterterrorism and Open-source intelligence (OSINT) professional experience to the private sector.  Professional Adviser on National Security and Strategic Studies at European Centre for Counterterrorism and Intelligence Studies - Germany & Netherlands.  Author of two books: Globalization and Terrorism: Flat World or Deep Valleys? Ward Book, Amman- Jordan 2011, 2015. And Global Terrorism And Extremism: Phenomena struggle and Paradigm Conflict in the Era of Globalization, Al Dar Al Ahlia For Publishing & Distribution, Amman, first published 20016.

Leave A Reply