العولمة وفيسبوك القبيلة

0

 

 

العولمة هي، ببساطة، سيرورة الترابط المتزايد بين المجتمعات، بشكل يكون معه تأثير الأحداث في ركن من أركان العالم، متزايداً أكثر فأكثر في الناس والمجتمعات ضمن ركن أو أركان أخرى بعيدة للغاية عن مركز تلك الأحداث.
و”فيسبوك”، الذي ظهر للوجود في العام 2004، يعتبر اليوم أبرز تجليات آليات العولمة التكنولوجية؛ إذ يبلغ عدد مستخدميه -الذين يتحدثون حوالي 70 لغة مختلفة- قرابة مليار ونصف المليار مستخدم نشط، حسب إحصاءات العام 2015.
أمّا القبيلة؛ فهي نظام اجتماعي لتنظيم مجموعات معينة من الأفراد، لهم ثقافة متجانسة، وتضامن مشترك (عصبّية) ضد العناصر الخارجية، وتشترك في الاستقرار الجماعي والعاطفة الجماعية. لكن هذا النظام الاجتماعي البدائي كان قبل تشكّل الدولة الحديثة.
والعولمة، كما أسلفنا بالتعريف أعلاه، هي تخطٍّ للحدود القومية والشكل التقليدي للدولة الحديثة نفسها. ومن أهم نتائجها الحاسمة: الدمج المستمر والمتسارع على مستوى الهياكل والبنى الاقتصادية، ثم التفتيت الشديد والصارخ على مستوى البنى الاجتماعية، ومن أهمها القبيلة والعشيرة، وصولا إلى العائلة حتى الأفراد.
والمثير في الأمر أن التكنولوجيا، وعلى رأسها وسائل التواصل الاجتماعي، هي العامل الحاسم في عملية التفتيت والتحطيم هذه. لذلك، أرى أن استخدام وتوظيف العشيرة والقبيلة لـ”فيسبوك” أمر يستحق الدراسة والتحليل العميقين.
وحتى لا نبقى بعيداً عن الواقع العملي، نأخذ التحضير للانتخابات البرلمانية في الأردن، وتحديداً دائرة بدو الشمال ونشاط قبيلة أهل الجبل -عشيرة الشَرفاتَ مثالاً- بشكل سريع ومبسط (على أمل العودة للموضوع مستقبلا بتوسع).
فقد لاحظت أنه مع بداية التحضير للانتخابات، نشط الكثير من الأصدقاء على صفحتي الخاصة على “فيسبوك”؛ من مختلف الأعمار والمستويات التعليمية والاجتماعية (ابتدائي، إعدادي، ثانوي، جامعي، مدرسون في التربية وفي الجامعات، وضباط وأفرادعسكريون متقاعدون) في التعليق والحديث عن الانتخابات، ونشر أخبار المرشحين ونشاطاتهم وتحالفاتهم ولقاءاتهم وفرصهم، وصولا إلى بعض المماحكات والخلافات البسيطة هنا وهناك.
ثم تطور الأمر مع اقتراب الانتخابات؛ فتشكلت ونشطت ما يمكن أن أعتبره سابقة على مستوى البادية؛ ألا وهي “المجموعات الخاصة المغلقة”، مثل “تجمع أبناء عشيرة الشرفات” الذي تأسس العام 2012 كمصدر لأخبار العشيرة الخاصة، من قبيل الأفراح والأتراح والاحتفالات والنشاطات العامة. ثم نشط التجمع كثيرا مع التحضير للانتخابات، بحيث بلغ عدد أعضاء المجموعة 4470 عضوا، حتى تاريخ 28/ 8/ 2016. والعدد يزداد يوميا، خاصة إذا ماذا علمنا أن العدد الإجمالي لعشيرة الشرفات في العام 2016، يتجاوز 12200 شخص.
ثم هناك مجموعة مغلقة أخرى هي “التجمع العام لعشيرة الشرفات”، يبلغ عدد أعضائه الآن 3500 عضو، مع تزايد يومي. وقد تشكل هذا التجمع تحديدا مع بداية التحضير للانتخابات، وينشط في الدعاية الانتخابية الخاصة بقائمة محددة في الانتخابات.
وهناك مجموعة ثالثة أصغر حجما تدعى “أكبر تجمع لأبناء عشيرة الشرفات”، يبلغ عدد أعضائها 1616 عضوا حتى 28/ 8/ 2016.
هذا يعني أننا نتحدث عما نسبته 79 % من العدد الإجمالي لأفراد العشيرة أصبح لديهم حساب خاص في تلك المجموعات المغلقة على “فيسبوك”. هذا من دون احتساب الصفحات الخاصة التي أنشأها الأفراد للتأييد والمؤازرة والتعليق على مجريات الحملات الانتخابية.
المثير في الأمر هو كيف يتم تطويع أكثر آليات العولمة تأثيرا من خلال الاتصال والتواصل والترابط التكنولوجي، لمصلحة أكثر أشكال الدولة بدائية.
وأنا هنا طبعاً لا أنتقد أو أتعرض للقبيلة أو العشيرة، بل أتحدث عنها كشكل تقليدي ومرحلة في سيرورة التاريخ الطويلة التي مرت على تطور المجتمعات حتى بزوغ الدولة الحديثة بعد معاهدة وستفاليا العام 1648، وعن هذا الترابط المثير والغريب بين الشكل البدائي للدولة متمثلا في القبيلة أو العشيرة من جهة، و”فيسبوك” الذي يعتبر أهم محركات وسائل التواصل الاجتماعي المعاصرة وأبرز تجليات العولمة التكنولوجية.
هل نقلت العولمة والتكنولوجيا قيمها الخاصة لقيم القبيلة والعشيرة كتنظيم اجتماعي تقليدي؟ وكيف سيؤثر “فيسبوك العشيرة” على الانتخابات ونتائجها؟ لننتظر ونرى.

*مدير مركز شُرُفات لدراسات وبحوث العولمة والإرهاب

*نشر المقال في صحيفة الغد الأردنية يوم الاربعاء 31-8-2016م

About Author

Dr. Saud Alsharafat ,Founder, CEO, and Chairman of Shorufat Center for Globalization &Terrorism Studies, Amman-Jordan, with a pioneer’s vision for bringing 28 Year intelligence analysis, operation, counterterrorism and Open-source intelligence (OSINT) professional experience to the private sector.  Professional Adviser on National Security and Strategic Studies at European Centre for Counterterrorism and Intelligence Studies - Germany & Netherlands.  Author of two books: Globalization and Terrorism: Flat World or Deep Valleys? Ward Book, Amman- Jordan 2011, 2015. And Global Terrorism And Extremism: Phenomena struggle and Paradigm Conflict in the Era of Globalization, Al Dar Al Ahlia For Publishing & Distribution, Amman, first published 20016.

Leave A Reply