استفتاء تقرير المصير لكردستان العراق.. تطلعات وصعوبات.

0

 

 

العراق – خاص بمركز شُرُفات –عمان الأردن

الباحث السياسي : محمد كريم جبار الخاقاني ([1])

 

كردستان العراق مناظر طبيعية روعة 13437765275.jpg

 

سيتحدد مصير كردستان العراق في استفتاء شعبي من المؤمل إجراؤه في 25-9-2017, وذلك بهدف تحقيق حلم لطالما راود مخيلة شعبها وعلى امتداد السنين الماضية , وهو حلم إنشاء الدولة الكردية , ومن اجل تجاوز صعوبات إجراؤه في ظل عدم انعقاد لبرلمان كردستان والمُعطًل منذ أكثر من سنتين , وفراغ رئاسي منذ عام 2013, قرر البرلمان الكردستاني عقد جلساته , من اجل إضفاء الشرعية على إجراء الاستفتاء المرتقب , ولكن في ظل غياب مؤثر لكتلة التغيير عن حضور جلساته , بسبب ما وصفته بعدم صحة انعقاده بغياب رئيس البرلمان وهو من حصة الكتلة , وكذا الحال مع حزب الاتحاد الكردستاني بزعامة الرئيس العراقي السابق جلال طالباني , والتي ترى بان الأوضاع غير مهيأة عملياً للاستفتاء في جو من الرفض المحلي والإقليمي والدولي , مما يعني فقدان الفرصة لتحقيق تلك الأمنية والتي طال انتظارها لعقود طويلة , اذن الجميع متفق بشان حلم إقامة الدولة الكردية , ولكن مع اختلاف زمن ولادتها, ففي الوقت الذي يرى فيه الحزب الديمقراطي بزعامة مسعود بارزاني , بان الوقت الحالي لإجراء الاستفتاء هي من أفضل الفرص والتي قد لا تتكرر لإقامة الدولة الكردية , وذلك من خلال الاستفتاء وعدم القبول بأي مقترحات لتأجيله حالياً , يرى آخرون ومنهم في البيت الكردي الداخلي ومنهم حزب الاتحاد الوطني وحركة كوران وبعض الأحزاب الإسلامية , بأنه من الضروري تأجيل عملية الاستفتاء وليس إلغاؤه , وانطلاقاً من قراءة لمجريات الأوضاع وتطورها في المنطقة .

ومن اجل الإحاطة بتطورات القضية الكردية , لابد لنا من معرفة ابرز العوامل التي تساعد في بلورة إمكانية إقامة الدولة الكردية , ومن ثم معرفة المواقف الإقليمية والدولية لإجراء الاستفتاء .

أولاً : الأسباب الدافعة لإقامة الدولة الكردية.

1-في البدء لابد من القول بان القضية الكردية كانت وما تزال محور خلافات مستمرة بين الحكومة المركزية في بغداد وحكومة إقليم كردستان ومنذ سنين طويلة , وبالخصوص بعد التغيير في النظام العراقي بعد عام 2003, حيث كانت تلك المسالة محور النقاشات المستفيضة بين القادة الجدد للدولة العراقية , إذ كانت مقررات مؤتمر لندن عام 2002, والذي شكًل أساس المباحثات لتقرير مصير كردستان العراق وتطمينات القادة العراقيين على إعطاء مزيداً من الصلاحيات والحكم لإقليم كردستان , وعلى هذا التصور , اتفقوا على شكل الاتحاد الفيدرالي وذلك من خلال القبول الطوعي في العيش بشكل مشترك وفي ظل دستور دائم , والعمل على حل المشاكل العالقة بين المركز والإقليم وخصوصاً مشكلة كركوك , وذلك عبر آلية يُتقق عليها بشأنها وبجدول زمني لا يتعدى عام 2007, لتحديد مصير تلك المحافظة , بالإضافة إلى اقتسام الثروات ومن خلال إقرار قانون النفط والغاز , وغيرها من النقاط الخلافية بينهما , فتم وضع المادة 140 في الدستور العراقي الدائم لعام 2005, من اجل حل وتسوية الخلافات بين الحكومة المركزية والإقليم , ولكن بسبب أوضاع البلاد في تلك الفترة ولصعوبات في إجراء الإحصاء السكاني للمناطق المتنازع عليها , لم يتم إجراء أي من المراحل التي تم الاتفاق بشأنها لحسم النزاع حول عائدية المناطق المتنازع عليها وعي مراحل التطبيع والإحصاء والاستفتاء , وبالتالي بقيت تلك المشكلة قائمة لغاية كتابة تلك السطور .

2-  من ابرز ما تمخضت عنه الحرب على داعش , هو توحيد البيت الكردي حول الخطر الداهم لحدود كردستان و وذلك من خلال تصدي قوات البيش مركة الكردية لتلك التنظيمات الإرهابية ومحاولتها تهديد اربيل واحتلالها , مما يعزز القدرات الدفاعية لتلك القوات وذلك من حيث قدراتها في صد الاعتداءات المتكررة من قبل عصابات داعش , بل القدرة على تحرير أراضي شاسعة من المناطق المتنازع عليها في سهل نينوى وسنجار وغرب تلعفر , والتي أصبحت بحكم الأمر الواقع مناطق مرتبطة بالإدارة الكردية ورفع علم كردستان عليها , أي بمعنى آخر , إلغاء المادة 140 وبشكل عملي من خلال عودة تلك المناطق لسيطرة الحكومة الكردية.

3-هذه التطورات على الأرض , رافقها توتر قائم بين الحكومة المركزية في بغداد والتي ترى بان الحكومة الكردية ومن خلال وضع اليد وبحكم الأمر الواقع على تلك المناطق وبدون الرجوع إلى الدستور وهو الحكم الفاصل في البت في تلك المسالة وذلك من خلال أحكام المادة 140, إنما يعني إلغاء تلك المادة وعدم الحاجة إليها, وهذا ما فعلته القوات الكردية والمشاركة في قتال التنظيمات الإرهابية, بوضع يدها وسيطرتها بشكل فعلي وواقعي على تلك المناطق والتي تراها الحكومة الكردية , بأنها مناطق استقطعت من كردستان وهاهي تعود مرة أخرى إليها .

4-من الأسباب التي شجعت باتجاه المضيء بإجراء استفتاء تقرير المصير , وخصوصاً في هذه الظروف , هي القدرة القتالية العالية لقوات البيش مركة والتي أكسبتها الحرب ضد تنظيمات داعش , الكثير من الخبرة والقدرة القتالية لمواجهة خصوم الدولة الكردية , وبالتالي الدفاع عنها إذا ما تعرضت إلى الخطر , هذا من جانب , ومن الجانب الآخر , نجد إن تلك القوات الكردية قد استعادت المناطق المتنازع عليها مع الحكومة المركزية وذلك بوضع يدها وسيطرتها على مناطق في تلعفر وسنجار وكركوك , ورفعت العلم الكردي عليها , إيذانا بعودتها لسلطة كردستان , مما يُقوي الرغبة في الاستقلال وإنشاء الدولة الكردية والتي طال انتظارها , وما كانت تلك المناطق أن تعود لكردستان لولا القوات الكردية .

5-التوتر الذي صاحب عملية رفع العلم الكردي فوق المباني الحكومية في كركوك , من الأسباب التي دفعت باتجاه تنظيم الاستفتاء , وذلك بعد كركوك منطقة كردية وبالتالي يحق لها المشاركة في الاستفتاء على حق تقرير مصير كردستان , ودفع ذلك التوتر بين الحكومة المركزية والإقليم إلى سحب الثقة من محافظ كركوك نجم الدين كريم وإقالته من قبل الحكومة المركزية , وساهمت عملية رفع العلم الكردي في كركوك إلى إثارة بقية المكونات الأخرى في المحافظة من عرب وتركمان , إذ كانت الدعوة التي وجهها رئيس الإقليم مسعود بارزاني إلى إشراك كركوك في عملية الاستفتاء باعتبارها من المناطق خارج حدود الإقليم , ويحق لها المشاركة فيه , إلى تصعيد في المواقف الإقليمية والدولية الرافضة لتنظيم الاستفتاء , فبعد رفض الحكومة العراقية للإجراء المتخذ من قبل حكومة الإقليم بشان السماح لسكان المناطق خارج الإقليم بالمشاركة في استفتاء تقرير المصير , تواصلت الردود الرافضة من المكونات العربية والتركمانية لذلك الإجراء , مما يعني تعريض التعايش السلمي داخل المحافظة إلى الخطر وربما الاقتتال الطائفي إذا ما تطورت الأوضاع في داخل محافظة كركوك.

ثانياً : الصعوبات التي تواجه عملية الاستفتاء الكردي.

تعترض عملية إقامة الاستفتاء الكردي المرتقب مجموعة من الصعوبات والمعوقات والتي من أبرزها:

1-الانقسام داخل البيت الكردي لإجراء الاستفتاء , فمن حيث الفكرة , هناك اتفاق كلي حول تحقيق تلك الغاية , ولكن من حيث التطبيق العملي لها يعتري تلك العملية صعوبات عدة ومنها , التوقيت , إذ تنقسم الكتل الكردستانية إلى موقفين متضادين بشان توقيت الاستفتاء , الأول تمثله كتلة الاتحاد الوطني بزعامة جلال طالباني وكتلة التغيير وبعض الأحزاب الإسلامية , والتي ترى بأنها مع إجراء الاستفتاء لتقرير المصير وإنشاء الدولة الكردية والاستقلال عن العراق , ولكن لا لابد من تقييم موضوعي للمسالة برمتها , فعامل التوقيت مهم في ذلك , وترى من الأفضل حالياً وعلى الأقل تأجيله لغاية انتظار الوقت المناسب وتحقيق الانفصال, أما الفريق الثاني فيمثله الحزب الديمقراطي بزعامة مسعود بارزاني والتي ترى بان الفرصة مواتية لتحقيق حلماً طالما راود الشعب الكردي , ولذلك يجب عدم تفويتها , خاصة مع متغيرات الأوضاع على الأرض وضم الأراضي المتنازع عليها من خلال المشاركة بقوات البيش مركة واستعادة الأراضي لإقليم كردستان , ولذا وفي ظل انتصارات البيش مركة واستثمار ذلك , لا بد من إعلان الدولة الكردية دون تأخير.

2-الردود الإقليمية وخصوصاً من دول الجوار ومنها تركيا وإيران , ورفضهما المطلق لإجراء الاستفتاء والذي يُمهًد لإقامة دولة كردية وعلى مقربة من حدودهما, إذ ترفض تركيا إقامة دولة كردية وبالقرب من حدودها لما لها من ارتدادات عكسية خطيرة على الأقلية الكردية داخل تركيا, وبالتالي قد تعمل على تشجيعهم على المطالبة بنفس الأجراء لتقرير مصيرهم , خاصة وهم مع الأكراد في حرب مستمرة ومنذ عام 1984, وبقيادة حزب العمال الكردستاني , أما إيران , هي الأخرى ترفض مثل ذلك الإجراء الكردي , لنفس التأثيرات المحتملة داخل إيران .

3-الرفض الدولي لإجراء الاستفتاء الكردي , إذ طالبت الأمم المتحدة بعدم إجراء الاستفتاء في مثل تلك الظروف والمحيطة بالمنطقة , والتي تصرف النظر عن خطر تنظيمات داعش , وتوالى الرفض الدولي من قبل الولايات المتحدة والدول الكبرى لإجراء الاستفتاء وطالبت بتأجيله لحين تحسًن الأوضاع في المنطقة .

وفي رؤية مستقبلية للاستفتاء المرتقب , فإننا أمام خيارين لاثالث لهما , فأما إجراء الاستفتاء في تاريخه المحدد في 25-9, اؤ التأجيل المحتمل له, ولكل خيار منهما تبعاته , فإذا كان الخيار الأول وهو إجراء الاستفتاء هو الحاصل , فالدولة الكردية ستكون موضع عداء لكل الأطراف سواء كانت داخلية محلية أو من ناحية الرفض الإقليمي لوجودها وفي ظل ممانعة دول الجوار لقيامها اؤ من الناحية الدولية واستمرار الرفض الدولي ومن قبل الدول الخمس الكبرى والدائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي , وبالتالي ستكون تلك الدولة غير مُرحًب بها قبل أن تتشكل أصلاً , أما من ناحية الخيار الثاني وهو خيار التأجيل وهو المحتمل في ظل أجواء من تأكيدات وضمانات تريدها كردستان لكي يتم تأجيله مؤقتاً , وذلك من خلال الزيارات المكوكية لمبعوثي الدول الكبرى , مما يعني في حالة عدم التوصل إلى تسوية حقيقية مع بغداد , فان الخيار وبضمانة دولية لقيام كردستان وكما يريده الشعب الكردي.

 

[1]باحث متخصص في العلاقات الدولية . عضو في الجمعية العراقية للعلوم السياسية. عضو في الجمعية العراقية لحقوق الأنسان في العراق.

 

About Author

Dr. Saud Alsharafat ,Founder, CEO, and Chairman of Shorufat Center for Globalization &Terrorism Studies, Amman-Jordan, with a pioneer’s vision for bringing 28 Year intelligence analysis, operation, counterterrorism and Open-source intelligence (OSINT) professional experience to the private sector.  Professional Adviser on National Security and Strategic Studies at European Centre for Counterterrorism and Intelligence Studies - Germany & Netherlands.  Author of two books: Globalization and Terrorism: Flat World or Deep Valleys? Ward Book, Amman- Jordan 2011, 2015. And Global Terrorism And Extremism: Phenomena struggle and Paradigm Conflict in the Era of Globalization, Al Dar Al Ahlia For Publishing & Distribution, Amman, first published 20016.

Leave A Reply