العقيدة التكفيرية لسيد قطب: بين الفكر والممارسة

0

خاص بمركز شُرفُات
المغرب – عبدالحق الصنايبي:
متخصص في الدراسات الاستراتيجية والأمنية
خبير في شؤون جماعة الإخوان المسلمي

سيد قطب الشاذلي.jpg

يُعتبر يوم 29 غشت(اب) 1966م يوماً حزينا عند تنظيمات الإسلام السياسي والحركات التكفيرية على السواء، حيث يصادف هذا التاريخ ذكرى إعدام سيد قطب على يد نظام جمال عبدالناصر على بعد محاكمات ما عُرف إعلاميا بقضية تنظيم سيد قطب أو تنظيم 1965م.
لقد اعتُبر سيد قطب الأب الشرعي والملهم الروحي لتنظيمات الإسلام السياسي التي اعتمدت على تأويلاته الفقهية للمشاركة في اللعبة السياسية واستغلال هامش الديمقراطية من أجل الركوب عليها، مرحليا، إلى حين توافر الشروط الذاتية والموضوعية للانقضاض على الحكم، وذلك من خلال تفسير ضيق وتطويع سياسي لقصة سيدنا يوسف وإسقاطها على الوضع السياسي الحالي من خلال تبرير “مشروعية السعي إلى السلطة في ظل مجتمع جاهلي ونظام كافر”.
ويُعدُّ سيد قطب، أيضا، المرجع العقدي الأبرز للتنظيمات التكفيرية من خلال الالتقاء حول مركزية “الحاكمية” في العقيدة التكفيرية والتي سيتم اعتمادها كمُصوغ شرعي لتكفير الأنظمة والخروج على الحكام “الطواغيت”، حسب تقعيدات قطب الفقهية. كما يُقرّ أتباع التيار السلفي الجهادي أنّ أفكار “قطب” هي الأساس الفكري الذي سدّ حاجة التيار الجهادي المسلح، ومكّنه من نظرية يتحرّك على أرضيتها، خاصّةً مع تقادم أفكار ابن تيمية وابن القيم، والتي لم تعد تنهض بالإجابة عن أسئلة الواقع الجديد. هذه الأسئلة التكتيكية، أجاب عنها “قطب”، عبر عدد من المفاهيم التي جسدت أساس نظرية الجهاد المسلح؛ كالجاهلية، والعزلة الشعورية، والحاكمية، والعصبة المؤمنة، والخلافة، والولاء والبراء، وأحكام الردة، والتكفير، وهي تلك المفاهيم التي صنعت أسس هذه التنظيمات، وعبّدت طريقها ..
سنحاول من خلال هذه المقالة البحثية المخصصة للأطروحات التكفيرية لسيد قطب أن نتطرق للبناءات الفكرية والعقدية لسيد قطب (أ)، قبل بسط التطبيقات العملية على الأرض للفكر القطبي من خلال رصد معالم تنظيم 1965م والمعروف إعلامية بتنظيم سيد قطب (ب).

أ‌- تبلور العقيدة التكفيرية لسيد قطب:
من هو سيد قطب؟
ازداد سيد قطب بقرية “موشا” وهي إحدى قرى محافظة أسيوط بصعيد مصر بتاريخ 09 أكتوبر 1906م. تلقى تعليمه الأولي وحفظ القرآن الكريم ثم التحق بمدرسة المعلمين الأولية عبدالعزيز بالقاهرة ونال شهادتها والتحق بدار العلوم وتخرج سنة1933م. عمل قطب بوزارة المعارف بوظائف تربوية وإدارية وابتعثته الوزارة إلى أمريكا لمدة عامين وعاد إلى مصر عام 1950م.
انضم سيد قطب إلى حزب الوفد المصري لسنوات وتركه على أثر خلاف معه في الرؤيا والتصور السياسي المرحلي سنة 1942م، ليلتحق بجماعة الإخوان المسلمين سنة 1953، ليخوض معهم محنتهم التي بدأت منذ عام 1954م واستمرت إلى غاية عام1966م.
ألقي القبض على قطب بتهمة التآمر على نظام الحكم فيما عرف إعلاميا بقضية تنظيم سيد قطب وصدر الحكم بإعدامه وأعدم ليلة 29 غشت 1966م.
بدأ سيد قطب حياته شاعرا وأديبا وتأثر إلى حد كبير بأستاذه عباس محمود العقاد، غير أن تواضعه في الميدانين الأدبي والنقدي دفعه إلى الاتجاه إلى الكتابات الإسلامية التي ظلت، ولو إلى حين، في حدود المراجعات الإسلامية المعتدلة التي لم تخرج عن قاعدة الكتابات الإسلامية “العادية” التي سطرها مفكروا تلك الفترة.
سيد قطب والضباط الأحرار:
ساند سيد قطب بكل جوارحه “انقلاب” الضباط الأحرار سنة 1952م ورفعهم إلى درجات المديح القصوى، حيث يقول عنهم: “هذه اليد النظيفة الأمينة قد صانت الثورة من هذا كله، وليست المسألة هي النظام وحده، ولكنها النظافة والأمانة. فالمثل الذي تعرضه قيادة الثورة في هذه الأيام مُثل نادرة في تاريخ البشرية كلها، مثلها لم تقع إلا في مطالع النبوءات” .
غير أن هذه العلاقة، البراغماتية من الجانبين، ستتدهور بعد ذلك لخلافات سيد قطب مع مجلس قيادة الثورة بعد فشل قطب في فرض توجهاته الفكرية ورؤيته الخاصة في تدبير شؤون الدولة. وعلى إثر هذه القطيعة، سيتجه قطب للانضمام إلى الخصم الإيديولوجي والسياسي للضباط الأحرار ممثلا في جماعة الإخوان المسلمين ويرأس تحرير الجريدة الناطقة بلسانهم.
يشرح قطب ارتباطه التنظيمي بجماعة الإخوان، بحسب ما أورده في كتابه “لماذا أعدموني”، بالقول: “ومرة أخرى استغرقت كذلك في العمل مع رجال ثورة 23 يوليو حتى فبراير سنة 1953م عندما بدأ تفكيري وتفكيرهم يفترق حول هيئة التحرير ومنهج تكوينها وحول مسائل أخرى جارية في ذلك الحين لا داعي لتفصيلها…وفي الوقت نفسه كانت علاقاتي بجماعة الإخوان تتوثق باعتبارها في نظري حقلاً صالحا للعمل للإسلام على نطاق واسع في المنطقة كلها بحركة إحياء وبعث شاملة، وهي الحركة التي ليس لها في نظري بديل يكافئها للوقوف في وجه المخططات الصهيونية والصليبية الاستعمارية التي كنت قد عرفت عنها الكثير، وبخاصة في فترة وجودي في أمريكا” .
وفي سياق الصراع المعلن بين الضباط الأحرار وجماعة الإخوان، سيتم اتهام قطب بالضلوع في محاولة اغتيال جمال عبدالناصر فيما عرف إعلاميا بحادثة المنشية بالإسكندرية سنة 1954م وحكم عليه بالسجن 15 سنة، سيقضي منها سيد قطب عشر سنوات ليتم الإفراج عنه بعفو صحي بعد تدخل شخصي من الرئيس العراقي الأسبق المشير عبدالسلام عارف سنة 1964م.
سيؤسس سيد قطب ما أطلق عليه اسم “الطليعة المؤمنة المقاتلة” والتي تكونت، أساسا، من شباب جماعة “الإخوان المسلمين” الذين خططوا، بتوجيه من سيد قطب، لمجموعة من العمليات الإرهابية النوعية داخل مصر. تم اكتشاف هذا التنظيم الذي عرف ب”تنظيم سيد قطب” أو تنظيم 1965 ليتم اعتقاله والحكم عليه بالإعدام إلى جانب كلٍّ من عبد الفتاح اسماعيل ومحمد يوسف هواش رفيقاه في التنظيم.
1- مفاهيم “الحاكمية” عند سيد قطب:
يكاد يُجمع معظم الدارسين لسيرة سيد قطب، على غير ما توصّلنا إليه من خلال دراستنا لحالة سيد قطب، إلى أن تجربة السجن كانت السبب المباشر والمناخ الملائم لظهور أفكاره الأخيرة التي دونها في كتبه، خاصة منها كتابه “في ظلال القرآن” وكتابه المثير للجدل “معالم في الطريق”، والتي تصل إلى حد الحكم القاطع والنهائي على المجتمع والأمة بأكملها بالجاهلية التي تفوق جاهلية أهل مكة أيام البعثة النبوية، وأن الأمة قد كفرت بالإسلام، حتى وإن كانت تردد على المآذن عبارة لا إله إلا الله .
على هذا المستوى من التحليل، يرى هؤلاء أن المحنة السجنية لسيد قطب كانت العامل المباشر في تحول فكره وتصلبه، خاصة بعد تأثره بالفكر الإسلامي الناشئ في الهند وباكستان، ممثلا في أطروحات أبي الأعلى المودودي وأبو الحسن الندوي. ويسرد لنا الباحث حلمي النمنم قولا للدكتور حسن حنفي يقترب من هذا المعنى فيقول “بعد عدة سنوات، وفي داخل السجن قرأ كتيبا صغيرا لأبي الأعلى المودودي بعنوان “المصطلحات الأربعة” وهي الحاكمية والألوهية والربانية والوحدانية فأبرزت لديه مفهوم الحاكميّة وجعلته محورا لتفكيره، حاكمية الله ضد حاكمية البشر، وألوهية الله ضد ألوهية البشر وربانية الله ضد ربانية البشر” .
“إن العالم يعيش اليوم كله في جاهلية”، هذه هي الخلاصة التي وصل إليها سيد قطب “جاهلية تقوم على أساس الاعتداء على سلطان الله في الأرض وعلى أخص خصائص الألوهية وهي الحاكمية. إنها تُسند الحاكمية إلى البشر، فتجعل بعضهم لبعض أربابا، لا في الصورة البدائية الساذجة التي عرفتها الجاهلية الأولى، ولكن في صورة ادعاء حق وضع التصورات والقيم، والشرائع والقوانين، والأنظمة والأوضاع بمعزل عن منهج الله للحياة” .
إن استعراض بعض ما جاء في كتابات سيد قطب حول الحاكمية، نجدها تدور في فلك واحد وتنحو منحاً واحدا يصب في محاولة إنضاج الشروط الذاتية والموضوعية ل”الثورة الشاملة على حاكمية البشر في كل صورها وأشكالها وأنظمتها وأوضاعها، والتمرد الكامل على كل وضع في أرجاء الأرض الحكم فيه للبشر بصورة من الصور” . هذا الربط الفقهي الذي أصل له سيد قطب انطلاقا من قاعدة تقسيم التوحيد التي أخذها عن ابن تيمية ومحمد بن عبدالوهاب وطوعها لما يخدم طرحه السياسي/الديني، ستنتهي بقطب إلى اعتبار توحيد الألوهية، والتي أطلق عليها قطب “الحاكمية”، هي المعيار في الحكم على إسلام المرء أو كفره، كما تبقى القاعدة الوحيدة لتقسيم العالم إلى “بلاد إسلام” و”بلاد كفر وحرب”. هذا المعطى الفقهي سينتهي بسيد قطب إلى نتيجة واحدة تفيد بغياب المجتمع المسلم بل وغياب الإسلام كدين وعقيدة وتشريع، حيث يقول قطب: “…ووجود الأمة المسلمة يعتبر قد انقطع منذ قرون كثيرة …فالأمة المسلمة ليست “أرضًا” كان يعيش فيها الإسلام. وليست “قومًا” كان أجدادهم في عصر من عصور التاريخ يعيشون بالنظام الإسلامي…إنما “الأمة المسلمة” جماعة من البشر تنبثق حياتهم وتصوراتهم وأوضاعهم وأنظمتهم وقيمهم وموازينهم كلها من المنهج الإسلامي…وهذه الأمة -بهذه المواصفات! قد انقطع وجودها منذ انقطاع الحكم بشريعة الله من فوق ظهر- الأرض جميعًا” .
2- العصبة المؤمنة: بين العزلة الشعورية والاتصال الحسِّي
تتمثل العصبة المؤمنة أو جماعة المسلمين أو الطليعة المؤمنة، عند سيد قطب، أساسا في تلك الصورة المصغرة للمجتمع المسلم الخالص من شوائب الجاهلية والمحتكر للفهم الحقيقي للإسلام. هذه العصبة، يفترض قطب، أنها تعيش وسط مجتمع جاهلي افتقد الهوية الإسلامية وأفلت عنه شمس الإسلام، وعليها أن تتحمل على عاتقها أعباء إعادة إحياء هذا الدين وإقامته وفق مبادئ الحاكمية المطلقة لله تعالى، وفق التعريف القطبي للعصبة المؤمنة.
يقول سيد قطب: “إن هذا المجتمع لا يقوم حتى تنشأ جماعة من الناس تقرر أن عبوديتها الكاملة لله وحده، وأنها لا تدين بالعبودية لغير الله…هذه الطليعة لا بد لها من “معالم في الطريق”، معالم تعرف منها طبيعة دورها، وحقيقة وظيفتها، وصلب غايتها” .
من هذا المنطلق، يطرح لنا سيد قطب سياقات تشكّل هذا البناء الحركي فيقول: “ينبغي أن تطول مرحلة بناء العقيدة، وأن تتم خطوات البناء على مهل، وفي عمق وتثبت، ثم هكذا ينبغي ألا تكون مرحلة دراسة نظرية للعقيدة، ولكن مرحلة ترجمة لهذه العقيدة -أولاً بأول- في صورة حية، متمثلة في ضمائر متكيفة بهذه العقيدة ومتمثلة في بناء جماعي وتجمع حركي” .
ووفق التصور الفقهي والميداني لسيد قطب، فإن هذه الطليعة لا بد لها من “”معالم في الطريق”، معالم تعرف منها طبيعة دورها، وحقيقة وظيفتها، وصلب غايتها. ونقطة البدء في الرحلة الطويلة…كما تعرف منها طبيعة موقفها من الجاهلية الضاربة الأطناب في الأرض جميعًا…أين تلتقي مع الناس وأين تفترق؟ ما خصائصها هي وما خصائص الجاهلية من حولها؟ كيف تخاطب أهل هذه الجاهلية بلغة الإسلام وفيم تخاطبها؟ ثم تعرف من أين تتلقى –في هذا كله– وكيف تتلقّى؟” . ولا شك أن “معالم الطريق”، لهذه الطليعة، سيطرحها سيد قطب وفق ما يعتقده المنهج الرباني وكذا قِيم الحاكمية التي تبقى من صميم أصول الاعتقاد عند هذه العصبة “وأنها استقرت استقراراً مكيناً ثابتاً في قلوب العصبة المختارة من بني الإنسان، التي قدر الله أن يقوم هذا الدين عليها، وأن تتولى هي إنشاء النظام الواقعي الذي يتمثل فيه هذا الدين” . وبهذا “فهذه العصبة هي التي يطلق عليها اسم (المجتمع المسلم)…المجتمع الذي يصلح لمزاولة النظام الإسلامي في حياته الاجتماعية، لأنه قرر بينه وبين نفسه أن تقوم حياته كلها على هذا الأساس، وألا يحكم في حياته كلها إلا الله” .
وإجمالا فإن العصبة المؤمنة هو نوع من الإسقاط العضوي للمرحلة المكيّة على الفقه الحركي لسيد قطب، حيث يرى أنه من اللازم أن تتشكل “دولة إسلامية” مصغرة تجسدها وتعبّر عنها “جماعة المسلمين”، لتنطلق بعدها إلى مرحلة التمدد الأفقي من خلال دخول “من يعتقدون أنهم مسلمين” إلى صفوف “الجماعة” ليصل البناء إلى قمته مع استكمال العدة البشرية والإعداد المادي لمواجهة “الطاغوت” الأكبر الذي جسّده سيد قطب في نظام جمال عبد الناصر وقام أتباعه بإسقاط هذه النظرية على باقي الحكومات التي تصنّف على أنها “طاغوتية” في نظرهم.
إن الطليعة المؤمنة، عند سيد قطب، هي النواة الأولى لبناء المجتمع المسلم القادر على مواجهة المجتمع الجاهلي بعد استكمال مراحل إعداد العدة. غير أن موازين القوى وضرورة تحصين هذه العصبة المؤمنة من هجمات “المجتمع الجاهلي” ومن كيد الأنظمة “الطاغوتية” بتعبير قطب، يتطلب، نوعا من العزلة النسبية والاتصال الحذر.
على هذا المستوى، يعتبر سيد قطب العزلة الشعورية “نقلة بعيدة” للمسلم من الجاهلية إلى الإسلام حيث “كانت هناك عزلة شعورية كاملة بين ماض المسلم في جاهليته وحاضره في إسلامه، تنشأ عنها عزلة كاملة في صلاته بالمجتمع الجاهلي من حوله وروابطه الاجتماعية” .
وفي سياق هذه العزلة الشعورية والاتصال الحسّي بين العصبة المؤمنة والمجتمع الجاهلي، تعتبر المواجهة مع هذا المجتمع والتصدي له مسألة حتمية، وفي هذا يصرح سيد قطب: “وفي الطريق تكون المعركة قد قامت بين المجتمع الوليد الذي انفصل بعقيدته وتصوره، وانفصل بقيمه واعتباراته، وانفصل بوجوده وكينونته عن المجتمع الجاهلي وتكون الحركة من نقطة الانطلاق إلى نقطة الوجود البارز المستقل قد ميزت كل فرد من أفراد هذا المجتمع” .
يخلص قطب، بهذا المنطق، إلى كون العصبة المؤمنة مطالبة بنوع من العزلة الشعورية فقط مع مواصلة الاتصال الحسي، في انتظار إنضاج الشروط الذاتية والموضوعية للمواجهة. إلا أن هذا الطرح كان أول من خرقه هو سيد قطب نفسه، حين قرر، مباشرة بعد خروجه من السجن سنة 1964م، تكوين هياكل “العصبة المؤمنة” وإعلان المواجهة الشاملة مع نظام عبدالناصر، الشيء الذي سيعجل بإعدامه كما سنرى في القادم من فقرات هذا البحث.
3- التكفير بالحاكميّة: سمة الخطاب القطبي
إن جميع المنظرين الفقهيين الذين أصلوا لعقيدة تقسيم التوحيد وأعلنوا أن فصل الخطاب في الحكم بإسلام المرء من كفره هو “توحيد الألوهية” والذي سيعبر عنه، بعد ذلك، أبو الأعلى المودودي وسيد قطب بمفهوم الحاكمية، خلصوا إلى تكفير المجتمعات الإسلامية وحكموا بانفراط عقد الإسلام، بل وصل الأمر بسيد قطب إلى الإعلان بأنه لم يعد للمسلمين إسلام.
في هذا السياق، يقول سيد قطب بنبرة جازمة: “ذلك أنهم يعتبرون كل نص منها كما لو كان نصاً نهائياً، يمثل القواعد النهائية في هذا الدين، ويقولون وهم مهزومون روحياً وعقلياً تحت ضغط الواقع اليائس لذراري المسلمين الذين لم يبق لهم من الإسلام إلا العنوان…(ويعتبرون) أن الإسلام لا يجاهد إلا للدفاع! ويحسبون أنهم يسدون إلى هذا الدين جميلاً بتخليه عن منهجه وهو إزالة الطواغيت كلها من الأرض جميعا ، وتعبيد الناس لله وحده، وإخراجهم من العبودية للعباد إلى العبودية لرب العباد! لا بقهرهم على اعتناق عقيدته، ولكن بالتخلية بينهم وبين هذه العقيدة…بعد تحطيم الأنظمة السياسية الحاكمة، أو قهرها حتى تدفع الجزية وتعلن استسلامها والتخلية بين جماهيرها وهذه العقيدة ، تعتنقها أو لا تعتنقها بكامل حريتها” . وفي موضع آخر من كتابه “في ظلال القرآن” يصرح سيد قطب: “إنه ليست على وجه الأرض اليوم دولة مسلمة ولا مجتمع مسلم قاعدة التعامل فيه هي شريعة الله والفقه الإسلامي” .
إن المنطق التكفيري عند سيد قطب لا يحتاج إلى قراءة بين السطور أو إلى تأويل لغوي قد يُفهم في غير سياقه، بل يعبّر عنها قطب صراحة فيقول “الذين يلجؤون إلى تلمس أسباب دفاعية بحتة لحركة المد الإسلامي، إنما يؤخذون بحركة الهجوم الاستشراقية، في وقت لم يعد للمسلمين شوكة، بل لم يعد للمسلمين إسلام” . ويستمر مؤشر التكفير عند سيد قطب في الارتفاع بالقول “فأما قبل أن يقرر أناس من الناس إخلاص عبوديتهم لله -على النحو الذي تقدم- فإنهم لا يكونون مسلمين” .
وفي سياق دراستنا للبنية الفكرية والسلوكية لسيد قطب، لابد أن نستدرك فكرة أساسية مرتبطة بكون بوادر التكفير قد بدأت عنده قبل محنة السجن بسنوات، وخصوصا في كتابه “العدالة الاجتماعية في الإسلام” (صدر سنة 1947) والذي يحوي أطروحات عقدية متطرفة لا تختلف عن تلك التي طرحها سيد قطب في كتابيه “في ظلال القرآن” و”معالم في الطريق”. وهنا لابد من طرح بعض هذه الأطروحات التكفيرية حتى نُؤَكِّدَ أن تشكُّل البناءات الفقهية التكفيرية عند سيد قطب لم تكن مرتبطة بفترة السجن، رغم مساهمتها في تطرفه ودفعه للمواجهة المعلنة مع النظام، وإنما تبلورت إرهاصاتها الأولى منذ بداية أربعينات القرن الماضي.
يقول سيد قطب في كتابه “العدالة الاجتماعية في الإسلام”: “وفي النظام الإسلامي لا يشارك الله سبحانه أحد، لا في مشيئته وقدره، ولا في منهجه وشريعته…وإلا فهو الشرك والكفر. وبناءا على هذه القاعدة لا يمكن أن يقوم البشر بوضع أنظمة الحكم وشرائعه وقوانينه من عند أنفسهم، لأن هذا معناه رفض ألوهية الله، وادعاء خصائص الألوهية في الوقت ذاته…وهذا هو الكفر الصراح” . ويضيف قطب في نفس سياقات بناءه الفقهي فيقول: “كل حكم يقوم على قاعدة أن الحاكمية لله وحده، ثم تنفذ فيه الشريعة الإسلامية، هو حكم إسلامي. وكل حكم لا يقوم على أساس إفراد الله سبحانه بالحاكمية، ولا تنفذ فيه هذه الشريعة، لا يعترف به الإسلام، ولو قامت عليه هيئة دينية، أو حمل عنوانا إسلاميا” . ونختم الإحالة على هذا المؤلف المثير للجدل لسيد قطب بتصريح هذا الأخير حين يقول: “وحين نستعرض وجه الأرض كله اليوم، على ضوء هذا التقرير الإلهي لمفهوم الدين والإسلام، لا نرى لهذا الدين “وجودا”. إن هذا الوجود قد توقف منذ أن تخلت آخر مجموعة من المسلمين عن إفراد الله سبحانه بالحاكمية في حياة البشر، وذلك يوم أن تخلت عن الحكم بشريعته وحدها في كل شؤون الحياة” .
إن البحث في الآثار الفكرية لسيد قطب يكشف عن حقيقة “العقيدة التكفيرية” التي تركها سيد قطب واعتُمِدت كدستور للحركات الدينية المتطرفة والتي أينما مرت تركت وراءها رائحة الجثث والدماء والأشلاء، فهل كانت هذه غاية الإسلام؟ وهل هذا ما يقره جوهر العقيدة؟ وهل هذا الذي دعا إليه وعانا من أجله “الرحمة المهداة” سيدنا رسول الله ﷺ؟.
إن إقحام بعض الذاتية على مستوى الحكم على بعض الأشخاص أو الأفكار قد يُفقد البحث قيمته العلمية، غير أن واقع الحال الذي أفرزه الفكر القطبي يجعلنا نقر بأنه لا مناص للباحث من إضفاء بعض اللمسات الذاتية خصوصا إذا كان ينتمي لبيئة استراتيجية يُفترض أنها عانت وتعاني من ترسبات هذا الفكري المتطرف. ولعل ما يشد عضد هذا الطرح ما أصّله سيد قطب، على غرار الحركات الإرهابية التي نراها اليوم التي لا تتحدث إلا لغة جزّ الرقاب وحرق الجثث والأشلاء، حيث نجده يُردد نفس المصطلحات ونفس الخطاب فيقول “وهذه اللفتة جديرة بأن يتدبرها الدعاة إلى الله، فلا يلتفتون في أثناء الطريق الدامي المفروش بالجماجم والأشلاء، وبالعرق والدماء، إلى نصر أو غلبة، أو فصل بين الحق والباطل في هذه الأرض” .
لقد دخل سيد قطب التاريخ باعتباره الرائد الأول والمؤسس لأفكار الجاهلية والتكفير في مصر والعالم الإسلامي، وحتى المجتمعات العربية التي عرفت الخوارج وغيرها من الفرق الضالة استطاعت التحكم فيها إما بالاحتواء أو الاستئصال، إلى أن هلَّ هلال سيد قطب بأفكار الجاهلية والحاكمية، والتي سيتم اعتمادها كدستور للحركات التكفيرية التي تدعي كونها “جهادية”، وأعطاهم سيد قطب مُصوغات التكفير واستحلال الدماء والأموال والأعراض. وسنرى في استعراضنا لتنظيم سيد قطب، بعض تمظهرات أفكار هذا الأخير على الأرض، وإلى أي حد ساهم هذا الفكر في بلورة الوعي الجماعي لأتباعه والذي انتهى بهم إلى تكفير المجتمع المصري وتكفير الدولة، ونصب لهم بذلك سيد قطب أعمدة المشانق وعبّد لهم الطريق نحو سجون جمال عبدالناصر حيث ظلوا يلعقون جراحهم لسنوات.

ب‌- التطبيقات العملية لفكر سيد قطب: تنظيم 1965
لقد أثار سقوط الخلافة العثمانية سنة 1924م على يد مصطفى كمال أتاتورك ردة فعل عكسية لدى الأمة الإسلامية، وظل حلم الخلافة الإسلامية يراود مجموعة من الأشخاص والتنظيمات من أجل إعادة إحياء هذا “الواجب الديني” خصوصا أن البلدان الإسلامية اعتادت على وجود دولة الخلافة بالمشرق رغم اللامركزية الترابية التي كانت تعيشها مختلف الولايات الخاضعة للسلطة الدينية والزمنية للخليفة. هذه الفكرة ظلت تراود أحلام العديد من التنظيمات الإسلامية التي تدعي أنها حاملة للواء إعادة إحياء الخلافة على المنهج النبوي. هذا الحلم، ولا شك، راود مخيلة سيد قطب كما راوده حلم الزعامة الذي ظل هاجسه منذ الطفولة، وظلت أيضا صورة أستاذه عباس محمود العقاد تداعب خياله وتدغدغ اللاشعور العميق لهذا الإنسان الذي حلم منذ صغره بالتّميُّز ولو كان ذلك من خلال اللجوء إلى التنجيم وقراءة الطالع والشعوذة وقراءة التعاويذ في الصغر أو مواجهة النظام المصري ومحاولة إسقاطه بلغة العنف والتفجير والإرهاب عندما أطلَّ على الستين من عمره.
إن المنطق العنيف في الفهم والإدراك واستنباط الأحكام الشرعية، الذي نظَّر له المودودي وسيد قطب ومن صار على دربهم، سيتم تلقّفه من طرف مجموعة من الذين جعلوا من كتاب سيد قطب “معالم في الطريق” دستورا في العمل الميداني وكان، بحق، النواة التي انبثقت منها أفكار الجماعات الإرهابية المتطرفة.
وفي هذا الصدد، عرفت الأشهر القليلة التي تلت أحداث 11 من شتنبر 2001م، عودة سيد قطب إلى واجهة الأحداث بشكل لم يتوقعه أحد. فقد ذهب الدارسون والباحثون إلى البحث في أصول الاعتقاد عند تنظيم القاعدة الذي قام بتفجيرات نيويورك وواشنطن. ولم يكن على خارطة الإسلام الحديث فكر يتسم بالصرامة والعنف كفكر سيد قطب.
لقد كان إعدام سيد قطب يوم 29 غشت سنة 1966م، بمثابة إعلان ميلاد التنظيمات “الجهادية” التي ستثير الكثير من الجدل، وبهذا الإعدام أصبح سيد قطب بمثابة الأب الشرعي الذي ستمتح منه هذه التنظيمات مصوغاتها الشرعية في التكفير ومواجهة الأنظمة.
لقد ارتأت الأمانة التاريخية والصرامة المنهجية في النقل والتحليل أن تكون مصادرنا لسرد حيثيات هذا التنظيم مختلفة من حيث الانتماءات التنظيمية والمؤسساتية.
من هنا سنحاول التطرق لهذا التشكّل “العنيف” من خلال شهادات زعيمه “الروحي” والحركي سيد قطب، وكذا أحد أبرز مؤسسيه وهو علي عشماوي الذي لعب دورا مركزيا في تبلور فكرة التنظيم وتدريبه، دونما إغفال للنظرة الأمنية متمثلة في رواية فؤاد علام اللواء السابق في جهاز المخابرات المصرية الذي يسرد قصته مع التنظيم في كتابه “الإخوان …وأنا”.
يُقر سيد قطب أنه مباشرة بعد خروجه من السجن، قامت بالاتصال به النواة الأولى لتنظيم 1965م حيث يصرح “هذه كانت الصورة المتكاملة في تصوري لأية حركة إسلامية حاضرة، ولكن حدث أن التقيت بعد خروجي على التوالي بالشبان الآتية أسماؤهم: عبد الفتاح إسماعيل –على العشماوي- أحمد عبد المجيد، مجدي- صبري…وعلمت منهم بعد لقاءات متعددة أنهم يكونون بالفعل تنظيماً يرجع تاريخ العمل فيه إلى حوالي أربع سنوات أو أكثر” . ويسترسل قطب بالقول “…ولكنهم لم يجدوا حتى الآن قيادة لهم، وهم يريدون أن أتولى أنا هذا بعد خروجي، ذلك أنهم بعد أن قرأوا كتاباتي وسمعوا أحاديثي معهم قد تحولت أفكارهم وتوسعت رؤيتهم إلى حد كبير. وقد كانوا يفكرون من قبل على أساس أن المسألة مسألة تنظيم مجموعة فدائية لإزالة الأوضاع والأشخاص التي ضربت جماعة الإخوان المسلمين وأوقفت دعوتهم، وإقامة الجماعة وإقامة النظام الإسلامي عن هذا الطريق” .
لقد رأى سيد قطب في هؤلاء الشباب تحقيقا لرغبة نفسية غزت مشاعره منذ أيام شبابه، ويبدو أن صورة أستاذه عباس محمود العقاد ظلت راسخة في مخيلته. لقد أصبح له أتباع ومريدين هو بينهم الآمر الناهي وهو المنظر والأب الروحي لهم، الشيء الذي دفعه إلى تبني أفكارهم ومحاولة تكييفها مع طريقة تفكيره وقراءته للواقع السياسي في مصر آنذاك. يقول سيد قطب: “وكنت أمام أمرين: إما أن أرفض العمل معهم…وهم لم يتكونوا على النحو الذي أنا مقتنع به، فلم يتم تكوين الأفراد وتربيتهم وتوعيتهم قبل أن يصبحوا تنظيماً وقبل أن يأخذوا في التدريب الفعلي على بعض التدريبات الفدائية. وإما أن أقبل العمل على أساس إدراك ما فاته من المنهج الذي أتصوره للحركة وعلى أساس إمكان ضبط حركاتهم…وقررت اختيار الطريق الثاني والعمل معهم وقيادتهم” .
غير أن على عشماوي، وهو من مؤسسي التنظيم، يحكي لنا القصة مختلفة، إلى حد ما، عن رواية سيد قطب، فيشير إلى أن هذا الأخير هو من قام باستدعائهم، حيث يصرح بالقول “بعد خروج الأستاذ سيد قطب من السجن تم استدعاؤنا أنا والشيخ عبدالفتاح إسماعيل للقائه، ذهبنا إليه، سألنا عن أحوالنا، وسألناه عن حال السجون، وأخبرناه موجزاً، عما نحن فيه، وطلبنا منه أن يتـابع العمـل معنا، فوافق على شرط أن نعطيه فرصة كى يستأذن الأستاذ الهـضيبى فـى هذا الأمر… التقينا فى منزله بحلوان، وكان حديثـه معنـا فـى البدايـة حـديث مجاملات، ثم أخبرنا بزيارته لمنزل المرشد، وأنه استأذنه فى العمـل معنـا، فأذن له” .
وتذكر لنا الرواية الأمنية على لسان اللواء فؤاد علام قصة اتصال سيد قطب بالتنظيم الوليد كالتالي: “في هذه الفترة، أي أوائل سنة 1964م، كانت تتردد على منزل زينب الغزالي حميدة قطب شقيقة سيد قطب، والتقت حميدة قطب ببعض أفراد التنظيم بالمنزل المذكور، وقد تحدثوا معها في أن تقوم بتبليغ سيد قطب…وقد صادف ذلك هوى لدى سيد قطب الذي كان يقوم بهذا العمل داخل السجن، وبدأ يرشدهم عن البرامج الدراسية، كما بدأ يكتب لهم منشورات تتضمن أراءه واتجاهاته الفكرية والسياسية وتقوم حميدة قطب بتوصيلها إلى زينب الغزالي حيث يقوم قادة التنظيم بنسخها وتوزيعها على أفراد التنظيم، وقد تضمنت تلك المنشورات أفكاره المنحرفة التي جمعها بعد ذلك مع فصول أخرى في كتاب “معالم في الطريق” .
لقد كانت فكرة تنظيم سنة 1965م تدور حول ضرورة توجيه ضربة رادعة للنظام كردّة فعل عما حدث للإخوان الذين لازال جزء كبير منهم يلعق جراحه داخل زنازين عبدالناصر. وكان هذا التنظيم يبحث عن مصوغات شرعية لتوجيه هذه الضربة، فوجدها عند سيد قطب مطبوخة وجاهزة. يفتي سيد قطب فيقول: “وكان أمامنا المبدأ الذي يقرره الله سبحانه: “فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم” وكان الاعتداء قد وقع علينا بالفعل في سنة 1954م وفي سنة 1957م بالاعتقال والتعذيب وإهدار كل كرامة آدمية ثم بالقتل وتخريب البيوت وتشريد الأطفال والنساء” .
وتكاد تجمع الروايات عند كون “تنظيم سيد قطب” بدأ يستعد لتوجيه ضربته للنظام بعدما انتهى من تحديد الأهداف المزمع ضربها، في حالة تعرضهم للاعتقال هم أو باقي الإخوان المسلمون من التنظيم المدني. وهنا يقرر سيد قطب أن “هذه الأعمال هي الرد فور وقوع اعتقالات لأعضاء التنظيم بإزالة رؤوس في مقدمتها رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء ومدير مكتب المشير (يقصد المشير عبدالحكيم عامر) ومدير المخابرات ومدير البوليس الحربي، ثم نسف لبعض المنشآت التي تشل حركة مواصلات القاهرة لضمان عدم تتبع بقية الإخوان فيها وفي خارجها كمحطة الكهرباء والكباري” .
لقد زرع سيد قطب في أفراد التنظيم الجديد مبادئ التكفير والحكم بجاهلية المجتمع ورسم لهم صورة قاتمة حول المجتمع الذين يعيشون فيه وأوحى لهم بضرورة اعتزاله بل ومجاهدته حتى “تكون كلمة الله هي العليا” وتكون الحاكمية والسلطة لله وحده. هذا الاعتقاد الجديد استقبله أفراد التنظيم بانبهار شديد جعلهم يتشربون أفكار التكفير التي تشبّع بها سيد قطب ولو أنكرها تقيّة. يصف لنا عليّ عشماوي، المؤسس الرئيسي للتنظيم، هذا الإحساس فيقول: “كان هذا الأمر جديداً علينا بهذا الفهم، فإنه يؤدي، حين تتعمق فيـه وتسير على دربه، إلى أن تستشعر أنك بعيد عن عقيدة الناس، وأن النـاس قد بعدوا عن دينهم وتستطيع الإحساس بأنك في واد وهم في واد آخر، وأنهم فعلاً ليسوا بمسلمين ويترتب على هذا الإحساس أمور كثيرة وخطيـرة منهـا اعتبار الناس كفرة، ويترتب على ذلك ألا تأكل ذبيحتهم وألا تتـزوج مـنهم، وأن تعتزلهم، وأن تستبيحهم .. وأن .. وأن .. وأن .. الخ” .
على المستوى التنظيمي، بدأ “التنظيم” بهيكلة صارمة وتم إحداث فرق متخصصة في تجميع المعلومات وقراءة المشهد السياسي وأخرى بدراسة الكتب والقصص البوليسية ومشاهدة الأفلام المتصلة بالجاسوسية، كما كُلف آخرون بترجمة البحوث، فترجم بحث عن تحضير مادة النتروجلسرين الناسفة محرَّر باللغة الفرنسية، كما ترجم كتاب عن المصارعة اليابانية، وقام بعض أفراد التنظيم بتدريب أعضائه على استعمال السلاح والمتفجرات و القنابل، وقدّم بعض المهندسين الكيميائيين بحوثا عن المواد الناسفة، بينما قام آخرون بتحضير مثل هذه المواد .
هذه الحالة من الاستنفار التي زرعها سيد قطب، وهذه الرغبة في المواجهة، تولدت من قناعة عميقة لدى أفراد هذا التنظيم بكفر المجتمع وخروجه عن جادة الإسلام وطريق الحق، مستلهمين ذلك من فتاوى التكفير التي تشربوها على يد سيد قطب. وفي هذا الإطار يقول علي عشماوي “مما ترتب على هذا أحياناً، حين كنا ننزل بتلك الأفكار على إخواننا، أن جاءني أحد الإخوان وقال لي: إنه سوف يرفض أكـل ذبيحـة المـسلمين الموجوديـن حالياً، فذهبت إلى الأستاذ سيد قطب وسألته عـن ذلـك فقـال : دعهم يأكلوها، فليعتبروها ذبيحة “أهل كتاب” فعلى الأقل المسلمون الآن هـم أهل كتاب” .
ومن الفتاوى الطريفة التي تُروى على لسان عليّ عشماوي، تلك التي سردها بالقول: “ذات مرة أخرى جاءني أحد الإخوان يقول: “إننا مازلنا نعمل على إقامـة الدين وإقامة جماعة إسلامية على الأصول الشرعية، فلابد أن نقيم الحد فيمـا بيننا، أي أن نجلد الزاني أو نرجمه إن كان متزوجاً، أن نجلد شارب الخمر، وأن نجلد رامي المحصنات، واستشعرت أننا مقبلون على خطر لسنا أهلاً له، فذهبت للأستاذ سيد قطب مرة أخرى أسأله النصيحة فقال لي: “قـل لهـم إن إقامة الحدود مشروطة بالسيطرة على الأرض، فلا حدود بـدون دولـة، ولا دولة بدون أرض، ما دمنا غير مسيطرين على الأرض لا نستطيع أن نقـيم الحدود” .
إن تطرف هذه الأفكار وخطورتها لا يمكن إلا أن يكون نتاجا لحُقَنْ التطرف التي غزا بها سيد قطب أفكار هؤلاء الشباب الذين فرض عليهم فرضا الاعتكاف على دراسة كتب تنحو إلى التطرف والانعزال يذكر منها علي عشماوي كتاب “هل نحن مسلمون”، “العدالة الاجتماعية في الإسلام”، “معالم في الطريق”، “الغارة على العالم الإسلامي”، “الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر”، “العقائد”، “الإسلام في طور جديد” “للأستاذ حسن البنا” و”الإسلام بين جهل أبنائه وعجز علمائه” .
تأسس التنظيم الذي تزعمه سيد قطب وضم في مجلس قيادته كلا من عبد الفتاح إسماعيل وعلي عشماوي وأحمد عبد المجيد وصبري عرفة ومجدي عبد العزيز، حيث أنيط كل عضو من هؤلاء بمسئوليات نوعية وإقليمية.
غير أن العشوائية في التخطيط وغياب الرسم التكتيكي للمعركة وكذا الاستهانة بقوة النظام العسكري المصري، بالإضافة إلى الشخصية التي تميز بها سيد قطب، على اعتباره أديبا وناقدا لا يتميز بسمات القيادة الكاريزمية، حدّت بشكل كبير من فاعلية هذا التنظيم.
سيتم اعتقال معظم قادة تنظيم 1965م الذين سيتلقون أحكام متفاوتة، انتهت بالحكم بالإعدام على كل من زعيم التنظيم سيد قطب وشركاؤه في الفكر والقيادة التنظيمية محمد يوسف هواش وعبدالفتاح اسماعيل بتاريخ 21 غشت 1966 ليتم تنفيذه ليلة 29 من نفس الشهر، رغم محاولات الوساطة لعديد من القادة العرب كان آخرهم الرئيس الجزائري الأسبق هواري بومدين.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المراجع

– أحمد بان: صفحات مجهولة من حياة سيد قطب. مقالة نشرت على موقع حفريات. http://hafryat.com/blog/%D8%B5%D9%81%D8%AD%D8%A7%D8%AA-%D9%85%D8%AC%D9%87%D9%88%D9%84%D8%A9-%D9%85%D9%86-%D8%AD%D9%8A%D8%A7%D8%A9-%D8%B3%D9%8A%D8%AF-%D9%82%D8%B7%D8%A8/1471
– حلمي النمنم: سيد قطب وثورة يوليو. ص73
– سيد قطب: لماذا أعدموني؟. ص 8
– حلمي النمنم. مرجع سابق. ص 136
– ذكره حلمي النمنم: مرجع سابق. ص 138. و فيما نسبه المؤلف لحسن حنفي نرى أن النقل عن أبي الأعلى المودودي لم يكن دقيقا حيث أن المصطلحات الأربعة التي تحدث عنها هي: الإله و الرب و الدين و العبادة. راجع كتابنا أعلاه.
– سيد قطب: معالم في الطريق. ص 5
– سيد قطب. المرجع السابق. ص 36
– سيد قطب. معالم في الطريق. ص 2
– سيد قطب. المرجع السباق. ص 53
– سيد قطب. مرجع سابق. ص 24
– المرجع السابق. ص 6
– المرجع السابق. ص 13
– المرجع السابق. ص 22
– سيد قطب. معالم في الطريق. مرجع سابق. ص 10
– المرجع السابق. ص 72
– سيد قطب: معالم في الطريق. مرجع سابق. ص 35
– سيد قطب: في ظلال القرآن. ج 2 ص 1222
– المعالم. ص 45
– المعالم. ص 53
– سيد قطب: العدالة الاجتماعية في الإسلام. ص 80
– سيد قطب. العدالة الاجتماعية. مرجع سابق. ص 82
– نفس المرجع. ص 183
– سيد قطب. معالم في الطريق. ص 114
– يروي لنا سيد قطب في كتابه “طفل من القرية” كيف أنه قرأ كتاب لأبي معشر الفلكي وكتاب بعنوان “شمهروش” وهو يحوي مجموعة من التعاويذ والرقي والأحجبة. سيد قطب “طفل من القرية”. ص 123
– سيد قطب: لماذا أعدموني؟ ص 28
– المرجع السابق. ص 29
– المرجع السابق. ص 30
– على عشماوي: التاريخ السري لجماعة الإخوان المسلمين. ص 168
– اللواء فؤاد علام: الإخوان…وأنا. 123
– سيد قطب. لماذا أعدموني؟. ص 35/36
– المرجع السابق. ص 35
– علي عشماوي0 مرجع سابق. ص 173
– فؤاد علام. مرجع سابق. ص 126
– عليّ عشماوي. مرجع سابق. ص 172
– المرجع السابق. نفس الصفحة
– المرجع السابق. ص 193

About Author

Dr. Saud Alsharafat ,Founder, CEO, and Chairman of Shorufat Center for Globalization &Terrorism Studies, Amman-Jordan, with a pioneer’s vision for bringing 28 Year intelligence analysis, operation, counterterrorism and Open-source intelligence (OSINT) professional experience to the private sector.  Professional Adviser on National Security and Strategic Studies at European Centre for Counterterrorism and Intelligence Studies - Germany & Netherlands.  Author of two books: Globalization and Terrorism: Flat World or Deep Valleys? Ward Book, Amman- Jordan 2011, 2015. And Global Terrorism And Extremism: Phenomena struggle and Paradigm Conflict in the Era of Globalization, Al Dar Al Ahlia For Publishing & Distribution, Amman, first published 20016.

Leave A Reply