التطرف الديني العنيف : معضلة الفهم للدين واشكال التدين.

0


الدكتور سعود الشرفات -مدير مركز شُرُفات لدراسات وبحوث العولمة والإرهاب -عمان-الأردن 

 

هناك حساسية مفرطة -حد التطرف- وشعور غير سوي بالاستهداف والاستنفار العام تجاه الحديث عن “مرض” التطرف الديني في العالم العربي والاسلامي ، وهو شعور يكاد يطابق شعور شخص مصاب بمرضٍ خطير يقوم بالانكار الشديد لحالته المرضية ، لذلك فهو لا يرغب ، لا بل يهاجم كل من يذكره بمرضه الخطير ، ولا أظن بأن هذا شعور غريب على النفس البشرية.
واستطيع القول من خلال تجربتي الشخصية الطويلة في دراسة هذا الموضوع الشائك بأن “سوء الفهم” هو السبب الرئيس في هذه الحساسية المفرطة والشعور بالاستهداف .
ذلك أن الكثير من الناس (الدهماء/ والنخب) يشعرون بالغضب الشديد والانزعاج عندما يتم الاشارة الى التطرف الديني الاسلاموي ويردون بعصبية شديدة؛ أن هناك تطرف ديني أيضاً في الاديان الأخرى المسيحية واليهودية والبوذية والهندوسية وغيرها … فلماذا التركيز على التطرف الديني في الاسلام؟!
ولهؤلاء اقول : إذا كان يرضيكم القول بأن بقية الاديان والطوائف والملل والنحل تعاني من مرض التطرف الديني ؛ فمن المؤكد ذلك ولا أحد ينكره .
لكن السؤال هو ماذا يعنيني كعربي ومسلم في هذا العالم القول بأن كل الاديان والطوائف تعني من وجود مرض التطرف الديني ؛ هل هذه مشكلتي كعربي أو مسلم ؟
نريد أن نملك الشجاعة والعزم على أن نبدأ بمعالجة أمراضنا الذاتية الشخصية قبل أن نعالج أمراض الآخرين ،وأن نتوقف عن الاستمرار في لعبة “الخداع المعرفي” والادعاء بأنهم مرضى مثلنا حتى نشعر بالرضى المزيف عن أنفسنا.
نحن ؛ مشكلتنا(عرب ومسلمين ) مع تطرفنا الديني الذي تمثله الجماعات الارهابية مثل القاعدة وداعش وبوكو حرام وغيرها التي تدّعي تمثيل الاسلام ومسؤلة عن أكثر من 95% من العمليات الارهابية في العالم ، ومقتل أكثر من 25 الف شخص في العالم معظمهم من المسلمين والعرب عام 2016م ودمرت المجتمعات والدول العربية والاسلامية أولاً ، قبل الدول والمجتمعات الأخرى ؛ وليس مع تطرف الجماعات المسيحية او اليهودية او الهندوسية أو البوذية ،وإن كنا لا نقلل من خطره على الأمن العالمي .

وهناك مقاربة قاتلة ؛ وسائدة في لعالم العربي والاسلامي في مجال مجال مكافحة التطرف الديني العنيف والارهاب وهي الشغف باستخدام المفاهيم الغربية الملتبسة مثل الوسطية ، التسامح ، الاعتدال ، والتطرف ، والارهاب بشكلٍ مفارق لسياقها التارخي الفلسفي والأفكار المنشئة لها . وفوضى المفاهيم هذه تؤشر على فوضى المجتمع في كافة مناحي الحياة.
ويرتبط بذلك ؛ التركيز على المعالجة الدينية فقط، وإهمال العوامل الأخرى في المعالجة.
وهو ما يمكن أن أُسميه “معضلة مكافحة التطرف العنيف والارهاب الاسلاموي” وهي تتلخص في ” أن المصادر الفكرية والدينية للمتطرفين هي نفسها المصادر القائمة والمتقبلة لدى العرب والمسلمين على مدار تاريخهم الطويل ،لأنهم لا يستخدمون نصوصاً غير التي نؤمن بها” ،أما ما يسمى بالردود العلمية والفقهية والفكرية على المتطرفين ،ووصمهم كالقول بأنهم خوارج أو كلاب النار ، فأنها يمكن أن تفيد “المعتدلين” أصلاً ، لكنها- للاسف الشديد- لن تؤثر أو تفيد المتطرفين والارهابين.
باختصار لا يُضير الارهابين أو المتطرفين وصمهم بالارهاب والتطرف العنيف، لأنهم يفتخرون بذلك أصلاً بإعتبارهم حماة الشريعة وشهداء الدفاع عنها أمام أعدائها البعيدين أو القريبين.
بإستناء أن الدولة صاحبة السلطة القهرية ترى أنهم يريدون تطبيق مبادئهم بأنفسهم ، وهذا حقها وواجبها ،ولذلك لن تسمح بأن تزاحم عليه أو ينتزع منها وإلا فقدت مبرر وجودها.
أما في نظر جماعات “الاسلام السياسي” الأخرى ، وعلى راسها جماعة الاخوان المسلين فأن الجماعات المتطرفة والارهابية متعجلة ، ولا تأخذ بسنن التدرج.
والمرعب في الأمر هنا يصبح ؛ أنه لا خلاف بين توحش نظيم داعش وتنظيم الاخوان المسلمين إلا في توقيت إطلاق موجات التوحش . لينحشر الفرد مجبراً بين تطرف وارهاب الجماعات المتطرفة ؛وتطرف الدولة محتكرة السلطة القهرية .
ويمكن تتبع جينولوجي التطرف العنيف والارهاب في الافكار والثقافة والمناهج ، وتقديس التراث والتاريخ والأراء الفقهية دون تميز بين الدين والخطاب الديني والنصوص وفهمها ، التي يتجلى فيها الامتلاء بالشعور بالصواب والحق ، وأن الآخر مخطئ ، وباطل ، وعدم إدراك معقولية الآخر،وتعلم فلسفة إمكانية تعدد الصواب ، وتعدد الصراطات واحتمال الخطأ.
أعتقد ان مكافحة الارهاب والتطرف العنيف ما زالت تسير في الاتجاه الخاطئ ؛ لآن الدول وأجهزتها في مختلف دول العالم مشغولة باعراض الظاهرة وتجلياتها ،أكثر من انشغالها بجوهرها وأسبابها. ولذلك تواصل الجماعات المتطرفة والارهابية في مختلف الديانات والقوميات اجتذاب وتجنيد المؤيدين والاستمرار بدفعهم الى ساحات القتال والقيام بالعمليات الارهابية الانتحارية وتحريض “الذئاب المنفردة” لشن الهجمات في مختلف دول العالم.
ولذلك طال الارهاب (308) مدينة في (77) دولة في العالم عام 2016م نتج عنها وفاة (25673) شخص معظمهم من المدنيين ، وخسائر كبيرة في الممتلكات والاهداف الرخوة ، و99% من قتلى العمليات الارهابية جرت في الدول التي تعاني أصلاً من الأزمات والصراعات والارهاب السياسي مثل العراق ، سوريا ، افغانستان ، الباكستان ، ونيجيريا ، وذلك حسب “مؤشر الارهاب العالمي”(GTI) الذي يصدره “معهد الاقتصاد والسلام” في سيدني .

About Author

Dr. Saud Alsharafat ,Founder, CEO, and Chairman of Shorufat Center for Globalization &Terrorism Studies, Amman-Jordan, with a pioneer’s vision for bringing 28 Year intelligence analysis, operation, counterterrorism and Open-source intelligence (OSINT) professional experience to the private sector.  Professional Adviser on National Security and Strategic Studies at European Centre for Counterterrorism and Intelligence Studies - Germany & Netherlands.  Author of two books: Globalization and Terrorism: Flat World or Deep Valleys? Ward Book, Amman- Jordan 2011, 2015. And Global Terrorism And Extremism: Phenomena struggle and Paradigm Conflict in the Era of Globalization, Al Dar Al Ahlia For Publishing & Distribution, Amman, first published 20016.

Leave A Reply