هل أنتهى خطر تنظيم داعش?

0

 

 الدكتور سعود الشرفات 

عمان -الاردن

 

تقييم المخاطر

هناك إجماع بين خبراء الإرهاب، وعدد كبير من المسؤولين المعنين بمكافحة الإرهاب، على أن خطر تنظيم داعش ما يزال قويا وقادر على العودة للسيطرة على الأرض بسرعة كبيرة في سوريا، خاصة إذا انسحبت القوات الأمريكية كما وعد الرئيس الأمريكي ترامب.

وتبدو صورة المشهد مدهشة على الساحتين الأوروبية، والأمريكية من حيث الجدل السياسي المحتدم والنقاشات العميقة للأمر؛ على عكس المشهد في الدول العربية التي يخال المتابع  أن الأمر لا يعنيها؛ وأن خطر داعش في اللاسكا!

بالعودة الى الساحة الأمريكية؛ فقد حذر مسؤول كبير في  “البنتاغون” في تصريح لمحطة “فوكس نيوز” نشر بتاريخ 12-شباط –يناير -2019م من خطر عودة داعش للسيطرة على الأرض في سوريا خلال شهور اذا لم يتعرض لضغوط عسكرية مستمرة بعد انسحاب القوات الأمريكية .

وهو نفس التقييم الذي قدمة مدير المخابرات الوطنية–دان كوستا في جلسة استماع في شهر يناير 2019 م  أمام الكونجرس، ونفس التقييم الذي قدمة ميتش مكونيل / زعيم الأغلبية في الكونجرس عن الحزب الجمهوري  الذي عارض الانسحاب الأمريكي الكامل  بالطريقة التي يريدها ترامب. في نفس الوقت الذي صوت فيه أعضاء الكونجرس بنسبة 68% ضد الانسحاب الكامل من سوريا. وهذا التقييم يتطابق مع تقيم الأوروبيين خاصة فرنسا وبريطانيا.

بِنية التنظيم

تشير تقديرات وتقييمات البنتاغون الربعّية(كل أربعة اشهر ) الى أن التنظيم ما يزال يضم ما بين 10الاف الى 30 الف مقاتل في سوريا والعراق. وفي تقريرٍ آخر نشره “مجلس الأمن –الأمم المتحدة ” حول تقيم خطر داعش  أكد أن التنظيم ما يزال يحتفظ ب 18 ألف مقاتل في سوريا والعراق مستعدين للقتال حتى الموت وهم يقاتلون منذ أيام  القوات الخاصة الأمريكية والبريطانية وقوات سوريا الديمقراطية في آخر معاقلهم ، غرب قرية باغوز الشرقية بالقرب من الحدود العراقية التي.

وقد سبق لرئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركية الجنرال/ جو دانفورد، أن  اكد في 18تشرين أول – أكتوبر 2018م في افتتاح مؤتمر حول مواجهة التطرف العنيف في واشنطن، ونشرت تفاصيله في وسائل الإعلام، أن المقاتلين الأجانب يواصلون التدفق الى سورية للانضمام إلى داعش على رغم دحر قواته وتراجع نطاق سيطرته في شكل كبير. وأنه على رغم تقلّص المساحة التي يسيطر عليها التنظيم، يواصل المزيد من الأنصار التدفق، غالبيتهم عبر الحدود التركية، للانضمام الى صفوفه بمعدل 100 شخص شهريا وقال إن «ذلك يعد تراجعاً كبيراً من ذروة التدفق الذي بلغ نحو 1500 جهادي شهرياً قبل ثلاث سنوات، لكنه يظهر قدرة التنظيم المتطرف على جذب عناصر لا تزال نشطة. وبأن تدفق المقاتلين الأجانب والقدرة على تحريك الموارد والأيديولوجية يسمحان لهذه المجموعات بالعمل.

وأشار إلى أنّ “قوات سورية الديمقراطية” الحليفة لأمريكا لا تزال تعتقل أكثر من (700 ) من مقاتلي التنظيم من نحو 40 دولة. وأن إعادة هؤلاء المقاتلين لبلدانهم لمحاكمتهم تأجلت لاعتبارات سياسية وعدم توافق النظم القانونية. فبريطانيا على سبيل المثال، رفضت استلام اثنين من مواطنيها عضوَي وحدة في التنظيم تُعرف باسم (خلية إعدامات البيتلز)، وهي مسؤولة عن خطف وتعذيب أجانب وقطع رؤوسهم، بينهم عدد من الصحافيين، وجرّدت لندن الثنائي من جنسيتهما وأكّدت أنها لا تريد استعادتهم.

وأعادت واشنطن أحد مواطنيها بغرض محاكمته، لكنها لم تكشف عن مصير آخرين يعتقد أنهم قيد الاحتجاز في سورية أو العراق. وبعد معركة باغوز أشارت معلومات -لم تؤكد بعد-أن فرنسا التي كانت متشددة في موقفها من عدم السماح بعودة مواطنيها ،لا بل قتلهم هناك كما سبق أن أكدت وزيرة الجيوش الفرنسية ،ربما ستعيد النظر في موقفها وتسمح بعودة مواطنيها خاصة الأطفال والنساء ومحاكمتهم أمام القضاء.

وأعترف دانفورد بأنه لم يتم إحراز تقدم يذكر في معالجة الأسباب الأساسية التي أدت إلى ظهور داعش، على رغم الانتصارات العسكرية التي تحققت ضد التنظيم. واعتبر أن عدم التعامل مع المقاتلين الأجانب الذين تم القبض عليهم بشكل صحيح، سيجعل من الصعب في النهاية القضاء على أيديولوجية داعش.

مؤكداً على قضية سبق أن اشرنا وادنا عليها أكثر من مره آلا وهي أنّ العامل الرئيس هو كيفية تحديد ومحاكمة وإنهاء تطرف المقاتلين الأجانب وإعادة تأهيلهم؟ وأن التحديات لا تزال باقية في التعاون بين المؤسسات السياسية والعسكرية والاستخبارات ووكالات إنفاذ القانون.ولقد سبق لمسؤولين أمريكيين أن شكوا من أن هناك قيوداً سياسية وقانونية أرجأت عودة المقاتلين الأجانب إلى بلادهم.

ورغم أن مسالة الأعداد فيها الكثير من الاختلافات بين التقديرات الحكومية والدراسات غير الحكومية إلا أن هذه الأرقام تعطي مؤشراً قوياً على استمرارية قوة التنظيم.

والأخطر من ذلك -حسب رأي – أن قادة التنظيم استطاعوا الاحتفاظ بمبلغ كبير من المال؛ يقدر حسب خبراء في الأمم المتحدة بـــ(300) مليون دولار، موزعة على أشكال مختلفة منها استثمارات خاصة للتنظيم. وهناك خوف من أن يتم استخدام هذه الأموال  لتمويل هجمات إرهابية كبيرة  ضد الغرب؛ وبريطانيا تحديداً ولذلك اهتمت الصحف البريطانية بهذه المعلومات ونشرت في كثر من صحيفة على راسها “الصن” و”الديلي-ميل.

ونقلت وكالة الإعلام الرسمية الأمريكية  “صوت أمريكا” بتاريخ 13-شباط فبراير2019م ، عن رامي عبدالرحمن مدير “المرصد السوري لحقوق الأنسان” ومقره بريطانيا ،أن داعش يحتفظ بملايين الدولارات ،وبما مجموع (40) طن من السبائك الذهبية خزنها منذ عام 2017م في الجيب الذي يسيطر عليه  شرق  سوريا. وأن هذا الكميات من الذهب جمعها داعش من خلال سلب المصرف المركزي في الموصل ،ومن بيع الأثار العراقية والسورية خاصة من تدمر ،وبيعها للمهربين وتجار الأثار من خلال تركيا .

هذا يعني أن خطورة التنظيم ستبقى حتى بعد القضاء علية عسكرياً في سوريا والعراق. ولن تقتصر خطورته على الشرق الأوسط بل ستمتد الى الغرب خاصة في ظل الحديث عن عودة عدد كبير من المقاتلين الأجانب الى بلدانهم في أوروبا. حيث عاد ما لا يقل عن 5600 مقاتل  من تنظيم  داعش من العراق وسوريا، إلى دولهم في أوروبا ،الأمر الذي  سيشكل “تحديا أمنيا هائلا” لهذه الدول.

أن التقديرات التي نشرتها صحيفة “صن” البريطانية (12-شباط –فبراير-2019م ) نقلاً عن تقرير مجلس الأمن حول الأموال التي يحتفظ بها التنظيم، وإمكانية استخدامها لشن هجمات واسعة النطاق ضد الغرب  وبريطانيا تحمل الكثير من الدلالات بالنظر الى أن القوات الخاصة البريطانية،والفرنسية،تشارك مع القوات الخاصة الأمريكية بمحاصرة  للتنظيم،  واستخدام القصف العنيف، والمنظومات المُسيرة، والطائرات بدون طيار لاستهداف قيادات التنظيم.

وأعتقد؛ بان التخوف البريطاني والفرنسي  يعود الخشية من استهداف،أراضيها،ومصالحها بموجة من هجمات الذئاب المنفردة واستهداف مصالحها في الخارج.

 

هل انتهى داعش ؟

أعتقد أن مسالة إعلان الانتصار على تنظيم داعش مسالة فيها نظر. وأظن أنه من المبكر إعلان النصر على التنظيم من خلال الحسم العسكري الذي يبدو وشيكاً وهو يقاتل الآن في أخر معاقله على الحدود السورية والعراقية في قرية باغوز.

وأُرجح أن يكون إعلان النصر على داعش مشابهه لإعلان الرئيس الأمريكي السابق بوش الابن النصر على القاعدة. والآن؛ فلا القاعدة انتهت ،ولن ينته داعش بقرار سياسي.

أن مسالة القضاء على التنظيم أكبر من مسالة إعلان سياسي يخضع لوجهات نظر سياسية محملة بأهدافٍ سياسية انتخابية مؤقته كما في السياسة الأمريكية. اليوم نلاحظ  أن هناك جدل ونقاش عميق في الساحة الأمريكية حول مسالة الادعاء بالنصر على تنظيم داعش وبالتالي الانسحاب من سوريا.

ولقد اخذ هذا الجدل أبعاداً سياسية محضة في حلبة الصراع بين الأطراف المتنافسة ، الجمهورين، والديمقراطيين ،ولا يخلو الجدل  من الكثير المماحكات السياسية و من المبالغات بين الطرفين.

على سبيل المثال، نشرت قناة فوكس نيوز( الثلاثاء 12-شباط فبراير 2019م)وهي من اشد معاقل معارضة ترامب، استطلاعا للرأي الأمريكي  أجرته خلال 22-20كانون ثاني –يناير 2019م أظهر أن 72% من الأمريكان يعتقدون أن التنظيم لم يهزم ، مقابل 12% يعتقدون أن هُزم في سوريا والعراق.

أما في مسألة الانسحاب الكامل كما يريد ترامب؛ فيرى 46% بأنه يجب على القوات الأمريكية البقاء و36% يطالبون بعودة القوات.

وبغض النظر عن صحة هذه الاستطلاعات وإمكانية توجيهيها ودقتها ؛فأنها تعطي مؤشراً قويا معززا بآراء الكثير من الخبراء في مكافحة الإرهاب التي تدعم المقاربة التي تقول بأن داعش ما يزال يشكل خطراً دولياً خاصة إذا أعطي مساحة من حرية الحركة، وخف الضغط العسكري عليه من قوات التحالف الدولي.

أن نتحدث عن نهاية داعش يعني- بشكلٍ أو بأخر- أن نتحدث عن نهاية ظاهرة الإرهاب في العالم.

وهذا أمل وطموح بعيد المنال. فطالما بقي هناك نصوص وتراث مقدس قابل ومفتوح على التأويل؛ سيبقى إرهاب داعش، وغيره من التنظيمات في المستقبل. ويمكن الإشارة على سبيل المثال، الى رسالة زعيم تنظيم القاعدة / ايمن الظاهري الأخيرة(5شباط-فبراير-2019) التي كفر بها معظم العالم.

وخلال هذا الأسبوع الذي شهد المعركة الأخيرة-ربما-في شرق سوريا في جيب باغوز الذي يتحصن فيه حوالي (3000) مقاتل معظمهم من الأجانب حسب تقديرات “قوات سوريا الديمقراطية”، شهد العالم موجة عنيفة جدا من إرهاب العمليات الانتحارية ،في  ايران(13-شباط –فبراير 2019) حيث قتل 27من الحرس الثوري من قبل تنظيم “جيش العدل “،وفي كشمير-الهند(14-شباط- فبراير 2019م) قتل (37) عسكري من قبل تنظيم “جيش محمد “،وفي الأردن- مدينة السلط (14-شباط- فبراير 2019) قتل (3) من رجال الأمن والمخابرات العامة ،وجرح (8) أثناء محاولة تفكيك عبوات ناسفة ومتفجرات يبدو أنها كانت من مخلفات خلية السلط الإرهابية التي أعترف أعضاؤها الانتماء لتنظيم داعش،التي جرت في شهرآب-اغسطس2018م.

About Author

Dr. Saud Alsharafat ,Founder, CEO, and Chairman of Shorufat Center for Globalization &Terrorism Studies, Amman-Jordan, with a pioneer’s vision for bringing 28 Year intelligence analysis, operation, counterterrorism and Open-source intelligence (OSINT) professional experience to the private sector.  Professional Adviser on National Security and Strategic Studies at European Centre for Counterterrorism and Intelligence Studies - Germany & Netherlands.  Author of two books: Globalization and Terrorism: Flat World or Deep Valleys? Ward Book, Amman- Jordan 2011, 2015. And Global Terrorism And Extremism: Phenomena struggle and Paradigm Conflict in the Era of Globalization, Al Dar Al Ahlia For Publishing & Distribution, Amman, first published 20016.

Leave A Reply