مكافحة الإرهاب :  من التعاون الدولي  الى التضافر الدولي  

0



 الدكتور سعود فياض الشرفات


مدير مركز شُرُفات لدراسات وبحوث العولمة والارهاب 

 

 

أصبح الإرهاب العالمي ظاهرة متخطية للحدود والثقافات ولم يعد خطراً يواجه مجتمعات ودول وحكومات معزولة. ولم تعد مسألة “التضافر” الإيجابي في مجال مكافحة هذا الخطر العالمي مسالة فردية تخص فرادى الدول والمجتمعات بحجة: القوة، السيادة،  والخصوصية، أو التميز.

فقد أدّى الترابط الهائل الذي وفرته سيرورة العولمة خاصة آلياتها التكنولوجية،  الى  زيادة متانة وعمق  الترابط العالمي على كافة المستويات ، الدولية ،ومؤسسات المجتمع المدني العالمي .

وتُعتبر أدوات مكافحة الإرهاب التقليدية ضرورية، لكنها غير كافية  للحد من الإرهاب وتداعياته السياسية المضرة مع مرور الوقت.

و أدى التحول السياسي والاجتماعي الكبير الذي أعقب هجمات 11-ايلول -2001م الإرهابية ضد الولايات المتحدة الى نقلة تاريخية عميقة في تسريع عملية التحول من “التعاون الدولي” في مكافحة الإرهاب الى “التضافر الدولي والعالمي”. وفي كيفية مقاربة ظاهرة الإرهاب وطرق وأساليب مكافحته عالمياً خاصة في مجال مشاركة المعلومات الأمنية والاستخبارية بين الأجهزة العاملة في مجال مكافحة الإرهاب والتطرف العنيف .

وبعد أن كانت المعلومات الأمنية والاستخبارية سلعة ثمينة بيد الأجهزة الأمنية القومية يحافظ عليها بسرية تامة ولا يتشارك بها أحد ؛ دفعت هجمات 11-ايلول المجتمع الدولي الى تغير “الحكمة التقليدية” وتسطُح المجمع الاستخباري العالمي ، وتبني ما يعرف اليوم على نطاقٍ واسع “تشارك المعلومات ” وتبادل الخبرات ، وحتى المعلومات والملفات السرية ،والتضافر  العميق لتحقيق هدف محدد يتمثل بالإرهاب العالمي مهما كان مصدره.

وهذه التغيرات والتحولاّت أدت إلى الكثير من التغيرات في كيفية مقاربة الأجهزة الأمنية لموضوع المعلومات والمبادئ الاستخبارية ومعالجة معضلّة  الصراع الحاد  بين :  مبدأ الحاجة للمعرفة  ، ومشاركة المعلومات الاستخبارية .

تتناول هذه المقالة كيف يمكن لـ”لأطراف الفاعلة من الدول” بالتعاون الإيجابي العميق  مع “الأطراف الفاعلة من غير الدول” لبناء شبكة واسعة وعريضة من الخبراء والباحثين والاكاديميين على المستوى العالمي في مجال بناء شبكة واسعة من التضافر الدولي  لمكافحة الإرهاب والتطرف العنيف .

التضافر تاريخ مختصر

خلفت مرحلة ما بعد هجمات 11ايلول 2001 الإرهابية ضد أمريكا الكثير من التغيرات في السياسة الدولية وعمقت من الأسس الجديدة للسياسية العالمية، خاصة انها جاءت بعد حقبة الحرب الباردة ثم تفكك الاتحاد السوفيتي وانهيار جدار برلين حيث ساد نوع من الارتياح العالمي بشكلٍ عام على أمل أن تسهم انطلاقة سيرورة العولمة في تخفيف معاناة البشر في العالم وتقلص من الفقر والبؤس والمخاطر. ولكن تلك الفترة السعيدة التي تلت الحرب الباردة “، وصلت إلى خواتيمها.

ومنذ العام 2012 قفز معدل نشوب النزاع العالمي مرة أخرى، وهو ما يتناسب مع معدل الذروة الحديث البالغ 52 في العام 2015. وفي العام 2016، تمّ تسجيل 12 حرباً أهلية، وهو العدد الأعلى منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وجميعها –باستثناء نيجيريا- اندلعت في دول ذات أغلبية مسلمة من أفريقيا جنوب الصحراء حتى جنوب آسيا.لا يتسع نطاق الصراعات فحسب بل إنها تزداد فتكاً، ومركزها الشرق الأوسط. ومنذ العام 2011، ارتفع عدد حالات الوفاة في المعارك حول العالم بواقع أربعة أضعاف تقريباً إلى أعلى مستوى منذ العام 1994 أثناء الإبادة الجماعية في رواندا، علماً بأن 70 % منها هذه الحالات وقع في صراعات داخل دول الجامعة العربية)[1]( .

وقد تزامنت الحقبة الجديدة من نزاعات الشرق الأوسط مع تفكّك النظام العالمي. ففي مرحلة “ما بعد بعد الحرب الباردة”، لم يعد المجتمع الدولي مستعدّاً أو قادراً على الاستجابة بشكلٍ فعّال للنزاعات الدولية، ناهيك عن أن أيّاً من بعثات الأمم المتحدة الأربعة لحفظ السلام التي أُنشئت منذ العام 2012 لم تعد عاملة في الوقت الراهن في أيٍّ من الحروب الأهلية الاثنتي عشرة التي يشهدها العالم. لكن فترة الراحة والآمال العريضة بالرخاء والسلام لم تدم طويلاً حيث حدث زلزال أحداث ١١ أيلول ٢٠٠١ فنقلب العالم رأسا على عقب.

وتغير العالم كما يُجمع الكثير من المحللين والمنظرين السياسيين. أصبح هناك عالمين :عالم ما قبل ١١ أيلول. وعالم ما بعد ١١ أيلول.

وكان اهم ما يميز عالم ما قبل ١١ أيلول أن معظم  الحروب والصراعات والنزعات الدولية كانت تأخذ شكل واحداً وهو الحروب والنزعات بين “أطراف فاعلة من الدول”.

ولذلك كان شكل التعاون الدولي يأخذ شكل التحالفات والمحاور مثل حلف الناتو مقابل وارسو على سبيل المثال.

مشكلة اللغة والتواصل

أول معضلة تواجه الباحثين في اللغات غير الإنجليزية، هي اللغة وحدودها في معاني الكلمات. ولعلة من السخرية القول بان هذا الحاجز اللغوي في عملية التواصل بمفهوم “يورغان هابرماس” يقف حاجزا ذهنيا أمام إيجابية عملية التعاون من حيث العمق والقدرة على الاستيعاب والفهم للكل ما تعنية الكلمة من معنى.

على سبيل المثال في اللغة العربية كثيراً ما يتم ترجمة كلمة (cooperation )، وكلمة (collaboration ) على أنهما مترادفين بنفس المعنى، وحتى باللغة الإنجليزية هناك بعض الخلط أحياناً.

لكن البعض يترجم (collaboration ) على أنها تعني “تضافر” وليس “تعاون” بالعربية.

ولقد وجدت أنه من المفيد استخدام تعريف قصير ومبسط لعملية “التضافر” التي سأستخدمها من الآن فصاعدا كمعنى (collaboration) وهو مأخوذ من عالم التكنولوجيا والبرمجيات.

وهو أن التضافر يعني العمل معاً لتحقيق هدف مشترك. أو” مجموعة من الأفراد، والمؤسسات الذين يعملون معاً، لإكمال متطلب ولتحقيق هدفٍ مشترك”. وهذا يعني وجود ثلاثة عناصر مهمة في عملية “التضافر”،وهي:

1- مجموعة الأفراد أو المؤسسات أو الدول (الفريق: (Team)

2-يعملون معاً (عمليةProcesses:  )

3- تحقيق هدف مشترك ( هدف: Purpose )([2]).

بالطبع فأن عملية التضافر هي عملية نشاط إنساني في الدرجة الأولى بحاجة الى نوع من القيادة. لكن هذه القيادة مرنة جداً وغير مركزية حيث يعمل كافة الأطراف الفاعلين في عملية التضافر ويتشاركون المعرفة والخبرات وتحقيق التفاهمات بشكل مستمر من خلال عملية التواصل المشترك والمستمر.

 

من التعاون الدولي  الى التضافر الدولي

 

كما أسلفت؛ فأن عملية التضافر هي عملية نشاط إنساني في الدرجة الأولى.

وهذا النشاط بحاجة الى قاعدة وبيئة مناسبة له لينمو ويزدهر حتى يتمكن من منح ،أو ظهار فوائده العالمية ولذلك فان العوائق الثقافية ، والحضارية يمكن أن تكون عوامل مثبطه ومانعة لهذا التضافر. كذلك هو بحاجة الى بيئة تواصلية مناسبة حتى يعطي فوائده.

لذلك لا يمكن أن ينجح أي مشروع تضافر اذا استمرت عمليات التنميط الحضاري ،والثنائيات الخطيرة، على شكل (نحن) ،و(الآخر)، ومقاربة العالم والحضارات والثقافات المختلفة من خلال منظور صراع الحضارات وحدودها الدموية  حسب مقاربة صموئيل هنتنغتون([3]).

 

ولذلك؛ أنا اعتقد بأن  شكل التعاون الدولي لم يتغير بشكل جذري؛ إلا عندما أصبح الإرهاب متخطياً للثقافات والحضارات والأديان ،واصبح  كالوباء العالمي الذي يحتاج إلى “تضافر”(collaboration) الكل على كافة المستويات الدولية والمجتمع المدني والأفراد لمواجهته والنجاة منه.

تاريخياً؛ كان “التعاون الدولي” يأخذ شكلاً احتكارياً؛ بمعنى انه محصور جدا بنادي الأعضاء في كل حلف وأهدافه الرئيسة في خدمة الأطراف الفاعلة من الدول، في مواجهة الأعداء المشتركين على المستوى الدولي.

لكن شكل التعاون الدولي مع تطور الأحداث العالمية المهمة مثل التهديدات بالحرب النووية والتغير المناخي ، والأوبئة الخطيرة مثل الإيدز وأنفلونزا الخنازير ، والارهاب العالمي  تغير على ثلاثة جبهات :

– الأول بنية التعاون

– الثاني شكل التعاون

– الثالث سلوك الفاعلين الدوليين في عملية التعاون.

لقد تغيرت بنية التعاون الدولي  من حيث ان العدو لم يعد فقط “أطراف فاعلة من الدول” بل خليط معقد من مخرجات العولمة يتكون من أطراف فاعلة فوق الدولة مثل الشركات المتخطية للحدود القومية وعلى رأسها عمالقة التواصل الشبكي ووسائل التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك وواتس آب, ويوتيوب, وتلغرام وغيرها، وأطراف فاعلة اقل من الدولة وعلى رأسها الجماعات والمنظمات الإرهابية وعلى رأسها اليوم داعش والقاعدة وبوكو حرام وطالبان واليمين المتطرف في أوروبا وأمريكا.

واليوم هناك صراع وتنافس بين الدول والجماعات الإرهابية في ساحة الاستفادة القصوى من مخرجات العولمة التكنولوجية التي توفرها هذه الشركات العملاقة.

أما من حيث شكل التعاون فلم يعد الشكل القديم الذي خلفته الحرب الباردة مفيداً.

لقد اصبح يتطلب توسعاً وتنويعاً هجيناً من مكونات مؤسسية مختلفة. مثال على ذلك التحالف الدولي لمحاربة داعش بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية الذي أعلن عنه بتاريخ 10اكتوبر 2014م ، تحت اسم : قوة المهام المشتركة –عملية العزم الصلب (Combined Joint Task Force – Operation Inherent Resolve )الذي يتكون الآن من (30)دولة في العالم ،حيث يمكن أن نلاحظ (على سبيل المثال فقط )أن شعار قوة المهام المشتركة يتكون من مجموعة من المكونات ؛ فالأوراق السبعة لغصن الزيتون للشعار تمثل المكونات السبعة للمجتمع العراقي (السنة،والشيعة،والأكراد،والتركمان،والسريان،والأرمن،واليزيدين) ،ومكونات أخرى مثل السيف  تمثل الدول المشاركة في التحالف من إيديولوجيات وسياسات مختلفة وأحياناً متضاربة، مثل إسرائيل ، السعودية ولبنان، والأردن([4]).

وخيراً؛ من حيث سلوك الفاعلين، يبدو لي أن هذه اسهل حلقة في عملية تحول التعاون الى تضافر في مجال مكافحة إرهاب تنظيم داعش، وذلك بالنظر الى أن هذا السلوك كان يتكيف بشكل إيجابي مع تطور الموقف ايجابياً تجاه تحقيق كل طرف لأهدافه من التعاون للحد من الخطر المشترك لتنظيم داعش.

لكن؛ يبقى من المفيد الإشارة الى بعض التباينات بين مواقف الفاعلين وسلوكهم أثناء الممارسة. وعلى سبيل المثال فقط أشير الى بعض الاختلافات في جملة من المسائل في مجالات: الدبلوماسية الوقائية وحفظ السلام وممارسات مكافحة الإرهاب وآليات الحوار السياسي وممارسات حفظ الأمن والدفاع بين استراتيجية مكافحة الإرهاب الأمريكية من جهة واستراتيجية مكافحة الإرهاب الصادرة عن مجلس الاتحاد الأوروبي خاصة أعوام 2003 و2005م،و2007م التي تركز على احترام حقوق الأنسان ،وتحسين آلية تبادل المعلومات ودعم ضحايا الإرهاب ([5]

التضافر  العالمي في مكافحة الإرهاب

العالم في حقبة العولمة الحالية، ليس الدول المعترف بها من الأمم المتحدة فقط.

وقصدت استخدام ” التضافر العالمي ” بدلاً من ” التضافر الدولي” بهدف التأكيد على أنني لن أقتصر حديثي على التعاون بين “الأطراف الفاعلة من الدول” المعترف بها من الأمم المتحدة التي يبلغ عددها (195) دولة، ويشمل هذا العدد 193 بلداً من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، وبلدين غير أعضاء (مراقبين) هما: الفاتيكان، والسلطة الفلسطينية ، وتتوزع هذه الدول في العالم على 54 دولة في أفريقيا، و48 في قارة آسيا، و44 دولة في قارة أوروبا، و33 دولة في أمريكا اللاتينية والكاريبي، و14 دولة في أوقيانوسيا، ودولتين في أمريكا الشمالية([6]).

أعتقد بأن الأمر يتعلق بالمنظور الذي ترى به العالم وكيف تعرف الدولة؛ خاصة إذا علمنا أنّ العدد يمكن أن يصبح (249) حسب تصنيف قائمة الرموز الدولية (ISO) التي تشمل عدد من المناطق مثل القارة القطبية الجنوبية ، ويمكن أن يصبح (211)حسب تصنيف الفيفا للدول التي تشارك في كاس العالم لكرة القدم ، وتصبح (201) مع الدول المعترف بها دبلوماسياً أو اعتراف جزئي مثل تايوان ، وقبرص التركية ، والصحراء الغربية ،وكوسوفو ، ثم يمكن أن تصبح (207) دول مستقلة بحكم الواقع مثل “الدولة الإسلامية في العراق وسوريا” ، دولة ارض الصومال ، وناغورنو كارباخ ، وغيرها ، وجميعها تقع في وسط مناطق نزاعات وحرب([7](.

باختصار؛ هذا يعني أن حتى مفهوم الدولة مُلتبس، ولا يفي بالغرض للحديث عن تضافر يشترك به الكل لمكافحة ظاهرة متخطية للحدود والقوميات كالإرهاب.

لاحظ الآن؛ الدور الذي يلعبه البابا فرنسيس بابا الفاتيكان (العضو المراقب في الأمم المتحدة) في عملية “التضافر العالمي” لمكافحة التطرف الديني والارهاب العالمي تحت شعار التسامح والأخوة العالمية  خلال زيارته التاريخية للشرق الأوسط، والجزيرة العربية لدولة الأمارات العربية المتحدة (4-2-2019) لأول مرة في التاريخ.

 

– شبكة العلاقات العالمية ضد شبكة الجماعات الإرهابية

يحتاج التضافر العالمي الى “شبكة””(Network )  من العلاقات العالمية حتى يتغلب على شبكة الإرهاب العالمي المعاصر .

و حتى نتحدث عن “التضافر العالمي” يجب أن ندرك الحاجة إلى تشكيل “شبكة” واسعة وعميقة من العلاقات تتألف من( 5)دعامات رئيسة هي :

1- الأطراف الفاعلة من الدول، خاصة التي تعاني من أثار الإرهاب، والتطرف العنيف

وانتشار خطاب الكراهية.

2-مؤسسات المجتمع المدني : منظمات ، ومؤسسات ، الصحافة والإعلام الحديث ، الأحزاب السياسية ، النقابات المهنية والعمالية ، الجامعات ، الكليات ، المدارس ،  ومراكز أبحاث ، وخبراء وباحثين واكاديميين ، رجال الدين ، والضباط المتقاعدين من القوات المسلحة والأجهزة الأمنية المختلفة.

3- الأمم المتحدة ومنظماتها ومؤسساتها المختصة.

4- المنظمات الإقليمية الفاعلة، سواء التي تعمل بالتعاون مع الأمم المتحدة أو بشكل مستقل.

5- الأفراد الفاعلين والنشطاء في المجتمعات سياسيا، واجتماعيا، واقتصاديا، وثقافيا، ودينياً.

ومن المهم لبناء هذه الشبكة تعزيز وتوفير بيئة من الثقة بين الأطراف ومحاولة التخفيف قدر الإمكان من حدة التنافس على الشرعية التمثيل ، وملكية المعلومات السرية ، والقوة بين الدول ومؤسسات المجتمع المدني ، خاصة بين أجهزة الأمن والأكاديميا، ووسائل الأعلام.

وهنا ؛ هناك معضلة أن رجل المخابرات والأمن  يملك خبرة في العمليات الاستخبارية ومكافحة الإرهاب ، وكماً هائلاً من المعلومات الاستخبارية ، لكنه – على الأغلب – لا يعرف شيئاً عن الاكاديميا وكيف يوظف هذه المعلومات للاستفادة منها خارج العملية الاستخبارية .

في المقابل؛ الخبير الاكاديمي أو الصحفي يملك كماً من المعلومات المُجمّعة من مصادر مختلفة،  لكنة لا يملك أية خبرة عملية في المجال الأمني والاستخباري .

بشراكة كافة الأطراف أعلاه يمكن الحديث عن مقاربة كلانية (Holistic) للتضافر العالمي و”شبكة” واسعة من العلاقات يمكن أن تقف في وجه “شبكة المنظمات والجماعات الإرهابية” التي تجذّرت خلال العقدين الماضيين بفعل آليات العولمة المختلفة خاصة التكنولوجية سواءً على أرض الواقع ، أو على الواقع الافتراضي .

لقد تغيرت طبيعة الإرهاب العالمي خلال العقدين الماضيين  وتحوّل الى خطر وتهديد دائم للمجتمع العالمي وليس للدول فقط ، التي  ثبت حتى الآن أنها فشلت بشكل ذريع بالقضاء عليه من خلال الأساليب الخشنة(Kinetic) : الأحلاف العسكرية و الغزو العسكري والعمليات الاستخبارية ، واستخدام “المنظومات المسيرة” مثل الطائرات بدون طيار، التي جاءت على خلفية هجمات 11-ايلول –سبتمبر 2001م واستراتيجية الحرب العالمية على الإرهاب .

 

الاستفادة من الدروس

خلفت هجمات 11- أيلول -سبتمبر الإرهابية الكثير من الجراحات والندوب في عمق الوجدان الأمريكي، والمجتمع الدولي، وكانت كما أجمع الكثير من علماء السياسية والعلاقات الدولية حتى الفلاسفة بداية لعصر جديد للمجتمع الدولي العامر بالدول. ولم يقتصر تأثيرها على الولايات المتحدة الأمريكية بل شمل العالم كله.

ومثلت  هجمات 11 أيلول فشلاً استخبارياً ذريعاً للدولة ؛ للأجهزة الاستخبارية الأمريكية “وكالة المخابرات المركزية”(CIA) صاحبة الولاية في متابعة الشؤون الاستخبارية الخارجية ، ومكتب التحقيقات الفيدرالية (FBI)المكلف بالشؤون الأمنية  الداخلية ،جهة عدم قدرتها على التنبؤ بتلك الهجمات وتعاملها باستخفافٍ قاتل وعجرفة مع الكثير من الشواهد والمؤشرات ، بل والمعلومات عن إمكانيه حصول هذه الكارثة .

ولم تكن النُخب الأمريكية في مراكز البحث والدراسات والباحثين في ظاهرة الإرهاب بمنأى عن حالة الإنكار والعجز عن استشراف إمكانيه حصول الكارثة ، نظراً لأن هذا القطاع الواسع من المجتمع المدني يتشارك مع النخب في القوات المسلحة والمجمع الاستخباري الإيمان العميق بالحكمة التقليدية للنظرية “الواقعية ” في السياسية الدولية التي ما زالت تحاجج بأن “الدولة” فقط هي الطرف الفاعل الوحيد في صياغة السياسية الدولية والعالمية وتنظر باستخفاف فاضح للأدوار التي يمكن أن تلعبها الأطراف الفاعلة من غير الدول مثل الجماعات والمنظمات الإرهابية ابتداء من تنظيم القاعدة وصولاً الى تنظيم داعش اليوم .

كما خلفت الحقبة التي تلت تلك الأحداث القيامّية(Apocalyptic) الكثير من التغيرات في “بنية “و”سلوك” الدول في مختلف قارات العالم ،رغم حالة الإنكار التي تمارس في الدوائر الغربية  وعلى رأس هذه التغيرات “الحرب الطويلة” التي لم تنته على الإرهاب العالمي التي رفعت منذ بدايتها عقب 11 أيلول –سبتمبر 2001م حينما اعلن الرئيس الأمريكي الأسبق (جورج بوش الإبن) في 16ايلول 2001م مفهوم  “الحرب على الإرهاب ” (War on Terrorism ) ليؤكد على استهداف “السلاح” وليس من يستخدمونه وما هي أهدافهم ، ثم ليغير استخدام المفهوم الى “الحرب العالمية على الرعب ” (Global War on Terror)   ليعني أننا نحارب الخوف  والرعب فقط.

ولقد حملت هذه المفاهيم بشكل عام ؛ راية الغزو العسكري واستخدام “القوة الخشنة” والعمليات الاستخبارية المعقدة واستخدام أحدث تقنيات مكافحة الإرهاب والقضاء على الارهابيين  من خلال التوسع باستخدام آليات العولمة التكنولوجية خاصة استخدام الذكاء الصناعي

والمنظومات المسيرة، وتسطح المجمع الاستخباري العالمي ؛ حتى أصبحت أجهزة مخابرات العالم ، الى حدٍ بعيد وكأنها جهاز مركزي واحد لأول مرة في التاريخ من خلال تشارك وتقاسم المعلومات الاستخبارية السرية فيما بينها .

لكن؛ خلال هذه العملية الطويلة كانت عملية “التضافر” تتجذر بشكلٍ متسارع ،بحيث اصبح التمسك بالمعلومات الاستخبارية الخاصة بالجماعات الإرهابية وملفات الارهابيين مدعاة للنقد والمسائلة بعد أن كان عامل قوة وتمييز للأجهزة الاستخبارية في العالم تبيعه بأغلى الأثمان وتتفاوض عليه وتستخدمه كوسيلة من أهم وسائل الدبلوماسية وتنفيذ السياسات الداخلية والعلاقات الدولية حتى مع أخطر الأعداء .

اليوم ؛ أصبحت الأطراف الفاعلة من غير الدول ” الجماعات والمنظمات الإرهابية ” بفضل استخدامها لآليات العولمة التكنولوجية أكثر خطراً وفتكاً، وأخذت تهدد الأمن والسلم العالمي والاقتصاد العالمي وبرامج التنمية الشاملة . حيث؛ طال الإرهاب الثمرة المتعفنة للعولمة ؛ معظم دول العالم بفعل تنظيم داعش .

فحسب “مؤشر الإرهاب العالمي”( GTI)  لعام 2018 م الذي يصدره “معهد الاقتصاد والسلام ” (The Institute for Economics & Peace (IEP) ، فقد تعرضت( 77) دولة  من أصل( 163 ) دولة  يشملها المؤشر في العالم للإرهاب، وزادت نسبة ضحايا الإرهاب خلال العقد الماضي من عام 2006-2016 بنسبة 67%)[8](.

– شبكة التعاون لمكافحة التطرف العنيف والارهاب

يواجه ” المجتمع العالمي ” في حقبة العولمة المعاصرة  مثلث من الأخطار والتحديات  يتألف من ثلاثة أضلاع هي : التطرف ، والإيديولوجيا الإقصائية التي تنفي الآخر ، والارهاب .

وهذه الأضلاع المترابطة ومتبادلة التأثير، تشكل تحديات أمنية للأطراف الفاعلة من الدول ، وخطراً يهدد الاستقرار والأمن العالمي.

لم ينته الإرهاب ، بل تماهى مع سيرورة العولمة ، وتغيرت أساليبه وأشكاله واصبح أكثر قدرة على حرية الحركة واستفاد من تجربة “الحرب المركّبة” والتنظيم  الهجين “الهيبرد” .وعاد لوضعة الطبيعي أصلا ً ليكون “سلاح الضعيف” ، و”المقاومة من أسفل” ، لذلك فهو اليوم يؤلف “شبكة” معقدة  أخطر من السابق رغم هزائمه العسكرية على الأرض في العراق وسوريا .

في المقابل هناك نافذه للتضافر  العالمي يمكن البناء عليها من خلال البرامج “الكلانيّة” في مجال مكافحة الإرهاب والتطرف العنيف ،  وإعادة التأهيل  والإدماج والرعاية اللاحقةكمشاريع  يمكن أن تشكل شراكة ناجحة وقابلة لقياس النتائج.

وكانت تلك البرامج ؛حتى وأن لم تكن كثيرة  أهم نتائج التي أعقبت هجمات 11ايلول –سبتمبر والتي بدأت  في عدد من الدول التي عانت من خطر الإرهاب وما زالت تعاني من أثار الجماعات الإرهابية وترزح تحت تهديد خطر هذه الجماعات خاصة الجماعات الاسلاموية بشقيها السنّي /والشيعي ، التي سيطرت على المشهد العالمي منذ أواخر السبعينيات وانفلات موجة التطرف الديني العنيف عقب  ثورة الخميني في ايران بعد 1979م . حتى أصبح مفهوم الإرهاب العالمي اليوم مرتبط بالجماعات والمنظمات الإرهابية الاسلاموية .

وفي الوقت الذي بدأت فيه برامج تأهيل وإدماج الارهابيين التي تشرف عليها “الدولة” هناك قلة في الأدبيات والدراسات الأكاديمية والمسحّية ودراسات الحالة حول هذه البرامج وأهميتها كجزء مهم في “المكافحة الناعمة” للتطرف العنيف ومكافحة الإرهاب .

إنّ استمرار فشل المجتمع الدولي والمؤسسات الحكومية  المتمحورة حول فضاء الدولة فقط في مواجهة  خطر الإرهاب ستكون نتائجه كارثية ومتخطية للحدود القومية للدول ، ومثال ذلك خطر المقاتلين الارهابيين الأجانب في سوريا والعراق .

ومن هنا ؛ فهناك ضرورة “لبناء استراتيجية شاملة لمواجهة التطرف العنيف (CVE)” على أن تتكون من  ثلاثة برامج مترابطة هي : الأول منع الراديكالية ، والثاني إعادة التأهيل ، والثالث وقائي يقوم على التدخل المبكر للحيلولة دون انخراط الأفراد والمجتمعات في التطرف العنيف([9]).

ومن خلال هذه الاستراتيجية يمكن إقامة  شراكة واسعة وتضافر بين كافة الأطراف الفاعلة على المستويات الثلاثة : الدولة ، وما فوق الدولة ، وما دون الدولة ، وبناء “شبكة” واسعة من العلاقات العالمية التي يمكن أن تواجه” شبكة” الجماعات والمنظمات الإرهابية .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المراجع

[1] – PERRY CAMMACK, Wars of the World, https://carnegie-mec.org/diwan/74981.

 

[2] – ThoughtFarmer Intranet Blog, https://www.thoughtfarmer.com/blog/what-collaboration-really-means/.

 

[3] – Peter J.Katzenstein (Edited),(2010)Civilization in World Politics :Plural and Pluralistic Perspectives, Routledge London and New- york,p276-278.

[4] – Rosen، Armin (9 December 2014). “The US-Led War On ISIS Now Has A Logo”Business Insider Australia.

[5] -Peter J.Katzenstein (Edited),(2010)Civilization in World Politics :Plural and Pluralistic Perspectives, Routledge London and New yourk,p130-140.

[6] – Stratfor’s Creative Department(2018)  ,How Many Countries Are There in the World in 2018? https://worldview.stratfor.com/article/how-many-countries-are-there-world-2018.

[7] -Ibid.

[8] – The Institute for Economics & Peace (IEP) http://visionofhumanity.org/app/uploads/2017/11/Global-Terrorism-Index-2017.pdf

 

[9] – Rohan Gunaratna and Sabariah Hussin, Edited,(2018), International Case Studies of

Terrorist Rehabilitation First published, Routledge, p.1-4.

 

About Author

Dr. Saud Alsharafat ,Founder, CEO, and Chairman of Shorufat Center for Globalization &Terrorism Studies, Amman-Jordan, with a pioneer’s vision for bringing 28 Year intelligence analysis, operation, counterterrorism and Open-source intelligence (OSINT) professional experience to the private sector.  Professional Adviser on National Security and Strategic Studies at European Centre for Counterterrorism and Intelligence Studies - Germany & Netherlands.  Author of two books: Globalization and Terrorism: Flat World or Deep Valleys? Ward Book, Amman- Jordan 2011, 2015. And Global Terrorism And Extremism: Phenomena struggle and Paradigm Conflict in the Era of Globalization, Al Dar Al Ahlia For Publishing & Distribution, Amman, first published 20016.

Leave A Reply