بين 2014 و2019 .. هل تغير خطاب البغدادي؟

0

الدكتور سعود الشرفات

بين الظهور المدوّي لإبراهيم البدري الملقب بـ”أبو بكر البغدادي“، زعيم تنظيم داعش، وهو يصعد المنبر بزهوّ وهدوء أثناء الصلاة في جامع النوري الكبير غرب الموصل، في تموز (يوليو) 2014، عندما ألقى خطبة في المسجد أعلن خلالها خلافته وتقديمه كـ”أمير المؤمنين”، في مناطق واسعة من العراق وسوريا سيطر عليها التنظيم وكان يقطنها 7 ملايين شخص وأصبحت أكبر من مساحة بريطانيا؛ وبين ظهوره الأخير، أول من أمس، في تسجيل مصور نشره التنظيم عبر مؤسسة الفرقان التابعة له على تطبيق “تليغرام” بعنوان “في ضيافة أمير المؤمنين”، ووزع من خلال موقع “سايت” الأمريكي الذي يتابع الجماعات الإرهابية والمتطرفة (SITE Intelligence Group) وهو يفترش الأرض “متربعاً” بين مجموعة من أعضاء التنظيم الملثمين، شاحباً كث الشعر واللحية ويبدو عليه التعب والإرهاق، وبجواره بندقية تلك التي كانت تظهر بجوار زعيم القاعدة أسامة بن لادن؛  جرت الكثيرُ من المياه تحت الجسر، وتغيرت الكثير من المعطيات على الأرض وذهبت الكثير من الأرواح في معارك التنظيم في العراق وسوريا والعالم.

 التسجيل المصور استغرق 18 دقيقة

التسجيل المصور استغرق 18 دقيقة

ماذا قال البغدادي؟

أوضح البغدادي في التسجيل المصور الذي استغرق 18 دقيقة، بأنّ التنظيم سيثأر لقتلاه وأسراه، وأنّ مقاتلي التنظيم نفذوا 92 عملية في 8 دول، وأنّ “معركة الإسلام وأهله مع الصليب وأهله معركة طويلة وسيكون لهذه المعركة ما بعدها”. كما تحدث عن الاحتجاجات في السودان والجزائر، والانتخابات في إسرائيل التي فاز بها نتنياهو زاعماً أن الجهاد هو الحل الأمثل لمقاومة “الطغاة”، وأضاف أن الجهاد مستمر حتى يوم القيامة ضد “الحملة الصليبية” الشرسة على المسلمين، كما حرض مقاتلي التنظيم على الثأر.

وأشار إلى أنه تلقى تعهدات من أنصاره في بوركينا فاسو ومالي، وتوجه البغدادي إلى من يسمّيهم أنصاره في غرب إفريقيا، حيث يخوض تحالف تقوده فرنسا في الحرب ضد جماعات متطرفة. حيث تنشط عدة جماعات في الصحراء الكبرى يتبعون داعش والقاعدة، ومن أشهرها أتباع أبو الوليد الصحراوي الذي جاء ذكره على لسان البغدادي في الشريط المصور.

وهناك في منطقة الساحل المضطربة في غرب إفريقيا، يستغل المتطرفون الصراعات المحلية لتوسيع نشاطهم، بفضل الأسلحة التي يتلقونها من أقرانهم في ليبيا منذ سقوط نظام الراحل معمر القذافي واستيلاء مليشيات مسلحة على مقدرات البلاد.

وفي نيجيريا، بايعت جماعة منشقة عن جماعة “بوكو حرام” تنظيم داعش، فيما أعلنت جماعات أخرى في مالي وبوركينا فاسو والنيجر والكونغو الديمقراطية  تبعيتها لداعش والقتال ضد قوة إفريقية مكلفة بمحاربة المتطرفين في منطقة الساحل والصحراء.

وقد سبق لداعش أن أعلن عن عمليات انتحارية ضد القوات الدولية في الصحراء، أو ضد أهداف في عواصم المنطقة بالخصوص بوركينا فاسو ومالي، فيما يعتقد مراقبون أنهم من الخلايا النائمة التابعة لداعش ولقد كان آخرها العملية الأولى التي نفذها التنظيم في جمهورية الكونغو الديمقراطية.

وفي المقطع، الذي نشرته مؤسسة الفرقان، تختفي صورة البغدادي قبل نهاية الفيديو بقليل، ويستمر تسجيل صوتي له وهو يناقش هجمات سريلانكا التي أكد بأنها انتقام لقتلى التنظيم في قرية الباغوز، ولم يذكر أنّها انتقام لقتلى المساجد في نيوزيلاندا، وهو ما ينفي معلومات وإشارات كثيرة وردت بعد عمليات سريلانكا بأنها انتقام لضحايا المساجد في نيوزيلاندا، مما يرجح أن هذا المقطع الصوتي حول هجمات سيرلانكا سُجل بعد تصوير الفيديو خاصة وأنه قد تحدث عن موضوعات تتعلق بعمر البشير وأبو تفليقة ونتنياهو.

وحيّا البغدادي من أسماهم “فرسان الإعلام” حيث ذكر أسماءً لأشخاص فرنسيين مثل أبو أنس الفرنسي وأستراليين وشيشان وسعوديين، مؤكداً أنّ هؤلاء ساهموا في معركة التنظيم ضد الأعداء.

رسائل البغدادي

الرسالة الأولى والأهم التي أراد البغدادي إيصالها هي أنه ما يزال حياً يرزق، رغم كم الإشاعات عن مقتله وإصابته بجروح، ورغم الحديث عن تدهور صحته نتيجة معاناته من داء السكري وارتفاع الضغط. والرسالة الثانية أنه ما يزال الرجل القوي المسيطر على التنظيم الذي حتى وإن انهزم على الأرض في كافة معاقله، إلا أنه يهدد بالثأر والانتقام وقادر على شن الهجمات والتخطيط والتنفيذ العابر والمتخطي للحدود؛ مثل عمليات سيرلانكا، والكونغو مؤخراً.

أما الرسالة الثالثة فتتضمن فكرة أنّ التنظيم ما يزال خطراً وفتاكاً ولم ينته أو يقضَ عليه، وأنه سيغير إستراتيجيته بالسيطرة على الأرض، وسيتحول إلى العمل تحت الأرض معتمداً على الأفكار والأيديولوجيا والدعاية والتجنيد، من خلال آليات العولمة التكنولوجية ووسائل التواصل الاجتماعي.

ويبدو، كما أشار عدد من المراقبين الغربيين، إلى أن البغدادي يحاول الخروج من الهزيمة وإعادة تشكيل صورة جديدة لوجه التنظيم الإرهابي، أشبه بالمرحلة التي كان عليها زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن قبل مقتله؛ حين أراد تأكيد وجوده ونفي أية أخبار عن صحته أو مقتله. كما وأنه قد دخل في مرحلة بن لادن من خلال ظهوره بنفس الطريقة التي كان بن لادن يظهر بها عبر تسجيلات فيديو، بدلاً من توجيه خطابات مكتوبة أو رسائل صوتية.

يزعم عدد من المحللين والمعلقين، بأنّ ظهور البغدادي بهذا الشكل هو مرحلة جديدة وطويلة يأمل فيها قيادة أفراد التنظيم بمثل ما كان أسامه بن لادن يفعل، بعد أن فقد داعش كل الأراضي والمواقع التي يسيطر عليها في السابق. مذكّرين بأنّ زعيم القاعدة بن لادن، لجأ إلى الاختباء في عدة أماكن بين أفغانستان وباكستان، قبل مقتله في أيار (مايو) 2011 على يد قوات أمريكية، وهي المرحلة التي يجزم محللون أن البغدادي يحاول محاكاتها الآن، من خلال سعيه للاختباء والهرب والتنقل الدائم، وإصدار خطابات بين الحين والآخر لتحريض أتباعه في ارتكاب أعمال إرهابية.

ردود الفعل الدولية

مباشرة وبعد ظهور التسجيل الأخير، تعهدت الولايات المتحدة بتعقّب قادة تنظيم داعش الطلقاء والقتال في كل أنحاء العالم حتى إلحاق الهزيمة بهم. وقال متحدث باسم الخارجية الأمريكية إن التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة ضد التنظيم سيقاتل في كل أنحاء العالم لـ”ضمان هزيمة دائمة لهؤلاء الإرهابيين وإحضار القادة الذين لا يزالون طلقاء أمام العدالة لينالوا العقاب الذي يستحقونه”.

وقال المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا، جيمس جيفري، في تصريح له في 29 نيسان (أبريل) 2019 إن تنظيم داعش لديه قدرات عالمية، وهو ما يزال يشكل تهديداً. مشيراً إلى أن مهمة القوات الأمريكية في سوريا هي الهزيمة المستدامة للتنظيم، علماً بأن الولايات المتحدة ترصد مكافأة قدرها 25 مليون دولار لمن يساعد في الوصول إلى البغدادي.

ويخشى خبراء أمنيون من وقوع حوادث كالتي جرت في سريلانكا، بعد أن غير التنظيم من إستراتيجيته إثر هزيمته في كل من سوريا والعراق، وتحوله للاعتماد على المنتسبين المتواجدين في خلايا منتشرة عبر العالم.

كما يخشى مراقبون من محاولة البغدادي تحويل هزيمته في سوريا والعراق إلى مساعي يحاول بها تعويض تلك الخسائر من خلال دعواته المتكررة لأتباعه بالتوجه إلى الصحراء الإفريقية.

وكانت الولايات المتحدة قد أبدت امتعاضها من النتائج المتواضعة والخسائر الكبيرة التي منيت بها القوات الدولية في حربها على داعش والقاعدة في الصحراء، بحسب ما جاء على لسان وكيل وزارة الخارجية الأمريكية للشؤون السياسية “ديفيد هيل”.

وفي بريطانيا، تلقت أجهزة الاستخبارات معلومات مؤخراً بشأن مخططات لتنظيم “داعش”، بهدف تنفيذ هجمات في بريطانيا وأوروبا عبر ما يعرف باسم “خلايا التماسيح”، وهو مصطلح يشير إلى استخدام الخلايا النائمة التابعة للتنظيم التي تعمل تحت الأرض في هجمات من وقت لآخر على معاقل وأهداف يحددها قادة التنظيم لهؤلاء. وتم الكشف عن هذا التكتيك في إحدى الوثائق السرية التي تم العثور عليها عقب مواجهات بين عناصر من التنظيم والقوات الحكومية شمال شرق سوريا في آذار (مارس) 2019م. وتدرس الاستخبارات البريطانية خطط هذه الخلايا التي تتكون من عناصر نائمة تتبع التنظيم، وتنفذ أوامره.

وتأتي التحقيقات البريطانية عقب الكشف عن أن قائد الجماعة التي نفذت الهجوم الدامي في سريلانكا، قد عمل بناء على أوامر تلقاها من إرهابيين بريطانيين متواجدين في سوريا، بمن فيهم الداعشي المعروف باسم “جون”.

ويعتقد مسؤولو الاستخبارات البريطانية أن الانتحاري “عبداللطيف جميل محمد” قد تدرب في سوريا على أيدي إرهابيين بريطانيين، وأرسل إلى سريلانكا لتنفيذ مهمته التي أسفرت عن سقوط 250 قتيلاً، بينهم 8 بريطانيين.

وبحسب تقرير لصحيفة “صنداي تايمز” البريطانية، فإن مسؤولي الشرطة البريطانية دعوا العاملين في المساجد والكنائس ببريطانيا للحصول على تدريبات تتعلق بمكافحة الأعمال الإرهابية، تحسباً لأي هجمات قد تقع مستقبلاً.

ومن جانبه قال رئيس الوزراء العراقي، عادل عبدالمهدي في 30 نيسان (أبريل) 2019، إن تنظيم داعش لا يزال يشكل خطراً كامناً في جميع أنحاء العالم، على الرغم من تضاؤل قدراته، وأنّ الفيديو الذي ظهر فيه زعيم التنظيم تم تصويره في منطقة نائية! لكنه لم يحدد في أي بلد تقع تلك المنطقة. وقال إنّ مقطع الفيديو هو محاولة لدعم أنصار التنظيم الذي سيحاول تنفيذ مزيد من الهجمات.


الدكتور سعود الشرفات

About Author

Dr. Saud Alsharafat ,Founder, CEO, and Chairman of Shorufat Center for Globalization &Terrorism Studies, Amman-Jordan, with a pioneer’s vision for bringing 28 Year intelligence analysis, operation, counterterrorism and Open-source intelligence (OSINT) professional experience to the private sector.  Professional Adviser on National Security and Strategic Studies at European Centre for Counterterrorism and Intelligence Studies - Germany & Netherlands.  Author of two books: Globalization and Terrorism: Flat World or Deep Valleys? Ward Book, Amman- Jordan 2011, 2015. And Global Terrorism And Extremism: Phenomena struggle and Paradigm Conflict in the Era of Globalization, Al Dar Al Ahlia For Publishing & Distribution, Amman, first published 20016.

Leave A Reply