الإرهاب الكلّي” و”الارهاب الجزئي”: مقاربة لفهم ظاهرة الإرهاب العالمي المعاصر

0

Macroterrorism and Microterrorism: A new approach to understanding global terrorism

نطلق في هذه المقاربة التي نعتقد بأنها جديدة، وتساعد على فهم ظاهرة الإرهاب العالمي المعاصر من منظور كلّاني يتجلى في النظر إلى ظاهرة الإرهاب وتفاعلاتها والفاعلين فيها على أنها أكثر من حاصل مجموع أجزائها المكونة لها.

وعلى الرغم من قناعتنا بأن هذا المنظور للظاهرة قد يكون أكثر فائدة لفهم تطورات الظاهرة عبر الزمن، إلا أننا في نفس الوقت ندرك حجم الصعوبات والمعيقات الفكرية والعملية التي تعترض هذا المنظورمن جهة اختلاف المقاربات ووجهات النظر حول سيرورة الظاهرة، خاصة في الجانب الإجرائي منها، والذي يتجلّى في شقها الذي يختص في التكتيكات والاستراتيجيات المبنّية والمخصصة لمكافحة الإرهاب، وليس دراسة الإرهاب كظاهرة إنسانية-اجتماعية.

في محاولة أولية لفهم هذا المنظور، سنحاول العودة بالظاهرة إلى الخلف، أو تثبيتها في مكانها الحالي؛ ثم لنقوم بعملية تفكيك لبنيتها المعاصرة من خلال اقتراح تقسيمها إلى جزئين؛ أقترح أن نطلق عليهما لغايات البحث والدراسة والتحليل، الإرهاب الكلي (Macroterrorism) والإرهاب الجزئي (Microterrorism).

الإرهاب الكلي (Macroterrorism)

بداية؛ نؤكد أن هذا التقسيم هو لغايات البحث والدراسة والتحليل لسلوك ظاهرة الإرهاب العالمي، وتعقدها في الحقبة المعاصرة من سيرورة العولمة؛ ثم إن هذا التقسيم ينهل من النظرية الاقتصادية الكلاسيكية.

فكما في النظرية الاقتصادية الكلاسيكية؛ حينما اشتق الاقتصادي النرويجي / رنجر فرش (Rangar Frich) أول مرة مصطلح الاقتصاد الكلي عام 1933م، ليؤشر على الموضوعات الناشئة في الاقتصاد، وتتعلق بالتعامل مع تفاعلات الوحدات الاقتصادية ككتلة واحدة([1]) ونُحلل من خلاله سلوك الوحدات الاقتصادية على المستوى الوطني وتفاعلاتها ضمن الاقتصاد الكلي، بواسطة عدّة مؤشرات منها الناتج المحلي الإجمالي، الدخل القومي للدولة، والاستهلاك المحلي، ومعدلات البطالة، والادخار، والاستثمار، والتضخم، والأرقام القياسية للأسعار؛ وذلك بهدف فهم الاقتصاد المحلي والعالمي والعمل على تطوريهما.

يتعلق “الإرهاب الكلي” بنفس الآلية بدراسة سلوك ظاهرة الإرهاب الكلي، وتفاعل وحداتها إذا قسمنا هذه الوحدات إلى: الأطراف الفاعلة في الظاهرة، المنفذون، والضحايا، ومؤشرات الظاهرة وغيرها من الوحدات التي يمكن أن تضاف بتطور الدراسة وعمقها في مجتمع أو دولة محددة في زمن محدد، كعامٍ واحد.

إذن، فتعريف “الإرهاب الكلي” في الدولة هو: بنية وسلوك وتفاعلات ظاهرة الإرهاب الكلي على المستوى المحلي، والإقليمي، والعالمي، والقرارات المتعلقة بذلك خلال عام.

ما هي الوحدات التي يدرسها الإرهاب الكلي؟

يُركز “الإرهاب الكلي” على تناول الظاهرة ككل، وككتلة واحدة، ولذلك يركز على جملة من الوحدات وتفاعلها والقرارات الناتجة عنها في دولة ما خلال العام، ومن أهمها:

1- المؤشر العام للإرهاب في الدولة خلال العام

2- العدد الإجمالي للعمليات الإرهابية خلال العام

3- عدد قتلى العمليات الإرهابية

4- عدد جرحى العمليات الإرهابية

5- حجم الخسائر المادية الناتجة عن الإرهاب

6- التوزيع الجغرافي للعمليات الإرهابية

7- التحالفات الدولية في مكافحة الإرهاب

8- تمويل الجماعات الإرهابية.

9- الوصول الشبكّي للجماعات الإرهابية (حرية وصول الأعضاء إلى شبكة الأنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي).

10- العلاقات والروابط القائمة والمحتملة بين الجماعات الإرهابية الدولية والعالمية.

11- العلاقات والروابط المحتملة والقائمة بين الجماعات الإرهابية وجماعات الجريمة المنظمة خاصة تلك العاملة في تهريب الأسلحة والمخدرات وتزيف العملات والوثائق.

12- العلاقات بين بعض نُخب الجماعات الإرهابية وبعض الأفراد والحركات والجماعات العاملة ضمن ما يطلق عليه “حركة الهاكرية العالمية” (Global Hackivitism Movement) التي تنشط على الفضاء الافتراضي، وتسرق أو تخرب أو تضلل نشاط الدول والمؤسسات الرسمية والأهلية([2]).

ومن خلال استعراض هذه الوحدات، يمكن أن نلاحظ بأنها تشكل المؤشرات الرئيسة لظاهرة الإرهاب في أية دولة في العالم، وهي مؤشرات معروفة في أدبيات الإرهاب المعاصر، لكنها ليست منظمة، وتدرس بشكل منفصل عن بعضها البعض ولغايات مختلفة ومتعددة.

وعلى سبيل المثال والتطبيق المباشر والمعاصر، فإن تحليل ودراسة عملية القضاء على زعيم تنظيم داعش الإرهابي (السبت 26 – تشرين أول – أكتوبر 2019م) في قرية بريشا محافظة إدلب جنوب شرق سوريا على الحدود مع تركيا على يد القوات الخاصة الأمريكية، يعدّ حالة دراسية مثالية لمجالات تطبيقات الإرهاب الكلي، حيث تداخلت مجموعة من العناصر والمؤشرات في هذه العملية من الفعل الفردي الذي تمثل في مساهمة العنصر البشري من خلال “العميل السري” القريب من زعيم التنظيم البغدادي، والذي أرشد في النهاية إلى المكان الذي كان يختبئ فيه([3]). إلى المحلي، إلى الإقليمي، ثم الدولي، وصولاً إلى الفضاء العولمّي الذي وصلته مباشرة أخبار القضاء على البغدادي عبر آليات العولمة التكنولوجية في البث والاتصال والنشر.

الإرهاب الجزئي Microterrorism))

في المقابل، يدرس الإرهاب الجزئي سلوك الأفراد، والمؤسسات والتفاعل الحاصل بين الطرفين والقرارات الناتجة عن هذا التفاعل، وبنية الدورات الإرهابية على المدى القصير في الدولة خلال العام، وذلك من خلال التركيز على عدد من المؤشرات من أهمها:

1- إيديولوجيا الجماعات الإرهابية المحلية.

2- عدد الجماعات الإرهابية وتوزيعها الجغرافي داخل الدولة.

3- أنواع الجماعات الإرهابية (سلفية، يمينية، قومية).

4- عدد منظري الجماعات الإرهابية وتوزيعهم الجغرافي داخل الدولة.

5- عدد المعتقلين في السجون المحلية من الجماعات الإرهابية.

6- برامج الرعاية والتأهيل والدمج للإرهابيين في الدولة.

7- نوعية الأسلحة التي يستخدمها الإرهابين.

8- أساليب تنفيذ العمليات الإرهابية.

9- حجم انتشار خطاب الكراهية والتطرف العنيف في وسائل التواصل الاجتماعي.

وهناك الكثير من المؤشرات الخاصة والفرعية التي يمكن التفكير فيها والاهتمام بها خلال عملية الدراسة والتطبيق التي نعتقد بأنها ستكون عملية مستمرة وتراكمّية.

ومن الأمثلة على الإرهاب الجزئي في دولة ما، قيام أجهزة الدولة الأمنية والاستخبارية بمتابعة الخلايا الإرهابية على المستوى المحلي وضبطها والتحقيق مع أعضائها. ويمكن أن تكون اتجاهات الإرهاب الناشئ محلّياً في أمريكا والعديد من الدول الأوروبية، وإرهاب جزء كبير مما يسمى “اليمين المتطرف” في أوروبا وأمريكا شرط التأكد من عدم وجود روابط وعلاقات خارجية لهذه التنظيمات، أمثلة تطبيقية على ما نقصده بالإرهاب الجزئي.

عقبات تواجه هذا التقسيم

يواجه هذا التقسيم – الذي قد يبدو للبعض تعسفياً أو اعتباطياً – بمعضلةٍ نحن ندركها ابتداءً، وهي معضلة إبستمولوجية تتعلق بمقاربات النظر إلى سيرورة ظاهرة الإرهاب العالمي نفسها من حيث إنها تتفاعل أصلاً في فضاءات أوسع في قلب سيرورة العولمة التي تفترض الدمج الواسع والعميق للبنى الاجتماعية والثقافية والسياسية والاقتصادية، وليس تفتيتها وتقسيمها إلى فضاءات داخلية وخارجية، عام وخاص، أو كلّي وجزئي.

وهذا قد يعني – ربما – للبعض بأن التقسيم متهافت أصلاً. لكنني أُحاجج بأن هذا غير دقيق – حتى لا أقول غير صحيح – خاصة إذا نظرنا إلى لبّ المسالة؛ بأن هذا التقسيم هو لغاية تسهيل البحث واجتراح مقاربات غير تقليدية تكسر رتابة “الحكمة التقليدية” السائدة في دراسة الإرهاب العالمي المعاصر الذي تسيطر عليه المنظومة المعرفية الأنجلوساكسونية التي تركز في جُلّها على جانب “مكافحة الإرهاب” ومؤشر المنفذين للعمل الإرهابي.

وأنا أرى بأن تناول ودراسة سيرورة العولمة في الأساس لم يكن ليتحقق لولا قيامنا بفهم آليات تطور السوق والاقتصاد العالمي والتجارة الدولية عبر العصور، ومن خلال الكثير من المدارس الفكرية، سواء في الفلسفة الماركسية أم الرأسمالية أو غيرها من الفلسفات في الشرق والغرب ومن خلال ذلك كان استخدام آليات مثل: الاقتصاد الكلي والاقتصاد الجزئي عامل تحفيزٍ وبحث في كافة بنى الظواهر الاقتصادية والسياسية والعلمية، ولم يعرقل أو يحل دون فهمنا وإدراكنا الحالي للطبيعة الكلانية للظواهر الاجتماعية ومن ضمنها سيرورة العولمة.

ومن هنا، فإنني أرى بأن تقسيم ظاهرة الإرهاب المعاصر إلى قسمين: إرهاب كلي، وإرهاب جزئي لا يقلل من شأن الظاهرة أو يعرقل دراستها وتحليلها الدقيق، لا بل يسهم في فهمنا الكلانّي للظاهرة في نهاية المطاف.

وفي المحصلة النهائية، نحن في حاجة إلى أشخاصٍ يتخصصون في دراسة الإرهاب الجزئي على مستوى بلدانهم، وآخرين يدرسون الإرهاب الكلي على المستوى الدولي، حتى يكون محصلة إنتاجهم وبحثهم في الظاهرة، يصب في فهم وإدراك الظاهرة على المستوى العالمي بما يحقق المزيد من الفهم الدقيق للظاهرة، ويُمكن من المزيد من التعاون الدولي والأممي في مجالات دراسة الإرهاب كظاهرة إنسانية اجتماعية أصبحت مرافقة للتطور الاجتماعي والثقافي للبشر في هذه الحقبة المعاصرة من العولمة، وأيضا في مجال فهم واستيعاب آليات أكثر إنسانية في مكافحة الإرهاب، بعيدا عن التركيز فقط على أدوات المكافحة الخشنة المتمثلة في استخدام الحروب العسكرية والتدخلات الدولية والإجراءات الأمنية التعسفية في المراقبة، والرصد المتواصل وتقيد حرية الوصول إلى المعلومات والأخبار والتضليل المتعمد، التي غالباً ما تتحول في كثير من الدول والمجتمعات إلى تدخل سافر في حرية الأفراد وسلوكياتهم اليومية، وفي النهاية تنعكس سلباً وتؤثر على السلم الأهلي والعالمي، خاصة إذا تحولت تحت وطأة الكراهية والتهميش العميق والشعور بالمرارة وانسداد الآفاق؛ إلى مصفوفة من الممارسات والسلوكيات العقابية تجاه مجتمعاتهم الخاصة، يقومون بتفجيرها والتعبير عنها من خلال تفجير أنفسهم والتضحية بها في كل زاوية من هذا العالم الذي يظنون أنهم يصنعون فيه فارقاً ويؤدون رسالة حتى لو كانت ملطخة بالدم.

  • الدكتور سعود الشرفات/مدير مركز شُرفات لدراسات وبحوث العولمة والارهاب .
  • تم نشر هذه المقالة في مؤسسة مؤمنون بلا حدود

[1]– Ragnar Frisch (1933). Propagation Problems and Impulse Problems in Dynamic Economics. In Economic Essays in Honour of Gustav Cassel. London: Allen and Unwi.

[2]– سعود الشرَفات (2015).العولمة والارهاب: عالم مُسطح أم أودية عميقة؟، دار ورد الأردنية للنشر والتوزيع، عمان، الطبعة الأولى، ص9

[3]– Joby Warrick, Ellen Nakashima and Dan Lamothe, (2019). Islamic State defector inside Baghdadi’s hideout critical to success of raid, officials say, https://www.washingtonpost.com/national-security/islamic-state-turncoat-inside-baghdadis-hideout-critical-to-success-of-raid-officials-say/2019/10/29/e702c2fa-fa86-11e9-ac8c-8eced29ca6ef_story.html?fbclid=IwAR1swhnlju_4Gf1mkP_wKRHdrNDl0hGWhZezMqfbcZuX0qeJ2PL7kva3WxA

About Author

Dr. Saud Alsharafat ,Founder, CEO, and Chairman of Shorufat Center for Globalization &Terrorism Studies, Amman-Jordan, with a pioneer’s vision for bringing 28 Year intelligence analysis, operation, counterterrorism and Open-source intelligence (OSINT) professional experience to the private sector.  Professional Adviser on National Security and Strategic Studies at European Centre for Counterterrorism and Intelligence Studies - Germany & Netherlands.  Author of two books: Globalization and Terrorism: Flat World or Deep Valleys? Ward Book, Amman- Jordan 2011, 2015. And Global Terrorism And Extremism: Phenomena struggle and Paradigm Conflict in the Era of Globalization, Al Dar Al Ahlia For Publishing & Distribution, Amman, first published 20016.

Leave A Reply