أمنّنة المواجهة مع فيروس كورونا في الأردن

0

اختار الأردن  في مواجهته الشاملة مع وباء فيروس كورونا تدابير إعطاء الأولوية بشدة للصحة العامة الخاصة بحياة الناس على حساب الاقتصاد، رغم الظروف الاقتصادية الصعبة في الأردن التي تعكسها مؤشرات أهمها : البطالة المرتفعة، ونسبة المديونية المرتفعة، والنمو الاقتصادي البطيء، والركود الاقتصادي.

ولقد أنجز الاردن هذه التدابير عبر عملية “الأمننة الكلية” (Macrosecuritization) التي تعني العملية التي تعيد فيها “الأطراف الفاعلة “(الدولة ومؤسساتها) تصنيف موضوعٍ ما كمسألة أمنية، ثمّ تستخدم فعل الخطاب لإقناع الناس بأهمية المسألة والحاجة إلى تكريس موارد غير متماثلة لها. وتشمل هذه العملية قوانين الدفاع ، بالإضافة إلى حشد وتعبئة القوات الأمنية، والعسكرية.

أثبتت تحركات الأردن استجابةً للوباء كيف أنّ أمننة هذا التهديد يمكن أن تستثير الناس على المدى المتوسط والطويل  ، وأن الأردن سيواجه “معضلة الأمننة”( Securitization Dilemma) التي ستقع  لا محالة في المفاضلة بين : الصحة العامة والاقتصاد .

ففضلًا عن تنفيذ تدابير الصحة العامة مثل الحجر الصحي والتباعد الاجتماعي ، والفحوصات وعمليات الإغلاق والتدابير الاقتصادية والاجتماعية الأخرى، لم يكن أمام الحكومة الأردنية–كطرف فاعل – سوى خيار شنّ حربٍ غير تقليدية على فيروس كورونا، من خلال وضعه في إطار التهديد الأمني، وخلق “معركة” شاملة مع الفيروس حتى أصبح  كلّ فرد في الأردن “جنديًّا” في “الحرب” على الفيروس.

لقد تخطى فيروس كورونا في الأردن إلى أبعد من تحديد الفيروس كـ”أزمة حرجة في مجال الصحة العامة” بسبب التخوف من عدم توفير حالة الطوارئ الطبية للسرعة والرشاقة الضروريتَين للتعامل مع الفيروس في مرحلة مبكرة كفاية لمنع الانتشار الكثيف. وأثبت “نموذج الأمننة” الأردني نفسه بعدة طرق كوسيلة فعّالة وسريعة وصارمة لحشد كافة الموارد اللازمة المتاحة في وجه الوباء من أجل الحفاظ على الأرواح والأملاك قبل تمكّن الفيروس من إصابة نسبة كبيرة من السكّان.

فيما يتطلّع الأردن للحفاظ على نجاحاته، سيواجهه تحدٍّ جديد يتمثّل في كيفية إعادة فتح العالم الخارجي وتوقيتها. خاصة وأن التأثيرات الدائمة لهذه الأزمة في طور بروزها. فعلى غرار معظم البلدان، ستعاني القطاعات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية في الأردن من جرّاء الأزمة من دون شك. وستكون التحديات ملحوظة في كافة القطاعات، ابتداءً من حالات الإفلاس ووصولًا إلى معدلات البطالة المرتفعة والنمو الاقتصادي البطيء والخلل في قطاع السياحة الذي عَمِلَ الأردن جاهدًا لبنائه وانخفاض التحويلات من العمّال في الخارج خاصة من دول الخليج التي تعاني من المشاكل الاقتصادية .

تطرح قضية الأمننة خطر إعاقة التنمية البشرية والتحولات الديمقراطية وتطوّر المؤسسات السياسية والبرلمانية ومؤسسات المجتمع المدني، خاصةً حين تُمدَّد قوانين الطوارئ. وعلى المدى المتوسط، قد يؤدّي الشعور  بتراجع الحرّيّات إلى بروز تحديات مجتمعية جدّيّة، مثل ارتفاع معدلات الجرائم والسلب والسرقة وانتشار تعاطي المخدِّرات وازدياد الإصابة بالأمراض العقلية وربما الانتحار.

ويمكن أن يتحوّل الاضطراب الاجتماعي في وسط الأزمة إلى حلقة مفرغة. ويزيد الاضطراب المحلّي على الأرجح عبء مختلف الأجهزة الأمنية، فيجعلها أكثر عرضة للتهديدات المتأتية من مختلف المجموعات الإرهابية خاصة داعش التي تسعى لاستغلال الوباء لشن هجمات في كل مكان.

في نفس الوقت ؛ يخشى الناشطون السياسيون وحركة المعارضة وعدة مفكّرين في الأردن من أن يؤدّي استمرار الحكومة بعملية الأمننة  إلى تدهور المعايير الديمقراطية  والتضييق على الحريات العامة وحرية الصحافة والإعلام،. لكن رغم ما قد يشكّل هواجس حقيقية، تشير استطلاعات الرأي المتوافرة إلى أنّ أغلبيةً كبيرةً من الأردنيين (77.9 في المئة) راضية عن أداء الحكومة خلال الأزمة.  ويشير ذلك إلى أن معظم الأردنيين، -على الأقل حتى الآن-، يرون أن المقايضات في مواجهة الفيروس جائزة.

لكن يبقى السؤال إذا ما كان هذا الدعم للحكومة سيدوم إذا استمرت هذه القيود أم لا. ثم ماذا أعدت من خطط مستقبلية حيال ذلك ؟

About Author

Dr. Saud Alsharafat ,Founder, CEO, and Chairman of Shorufat Center for Globalization &Terrorism Studies, Amman-Jordan, with a pioneer’s vision for bringing 28 Year intelligence analysis, operation, counterterrorism and Open-source intelligence (OSINT) professional experience to the private sector.  Professional Adviser on National Security and Strategic Studies at European Centre for Counterterrorism and Intelligence Studies - Germany & Netherlands.  Author of two books: Globalization and Terrorism: Flat World or Deep Valleys? Ward Book, Amman- Jordan 2011, 2015. And Global Terrorism And Extremism: Phenomena struggle and Paradigm Conflict in the Era of Globalization, Al Dar Al Ahlia For Publishing & Distribution, Amman, first published 20016.

Leave A Reply