من ريغان إلى ترامب: إرهاب البوجاهدين والأنتيفا

0

بشار جرار – واشنطن-خاص بمركز شُرُفات لدراسات وبحوث العولمة والارهاب.

Antifalogo alt2.svg

لم يخطر ببال من أشار بمشورة السوء على الرئيس الأميركي الراحل رونالد ريغان أن تتحول استضافته من أسماهم “المجاهدين” الأفغان في البيت الأبيض لدحر الجيش الأحمر في أفغانستان في ثمانينيات القرن الماضي، لم يخطر على باله أن يستلهم مواطنون أميركيون “أقحاح” المصطلح “المعولم”، مستبدلين الحرف الأول فقط، فقلبوا الميم باءا. ف”بوغالو” – وهي جماعة مهلهلة تتسم بالتطرف والعنف والتخفي – معروفة بأسماء حركية عدة من ضمنها البوجاهدين. أما الكلمة ذاتها “بوغالو”، فما هي سوى اسم – شبه نكره – استعاروه من عنوان فيلم في أواسط العقد ذاته واسمه “بريكين تو” أو الجزء الثاني من البريك دانسينغ: إليكتريك بوغالو.  

وكأي جماعة تبرر استخدام العنف انطلاقا من مقولة الغاية تبرر الوسيلة، تنقسم الروايات حول البوجاهدين: هم يرون أنفسهم مجرد مؤمنين بأميركا التي قامت على تحطيم أغلال العبودية والقمع والتمييز في أوروبا. وأكثر من يتمسكون به للدفاع عن هذا الإيمان، التعديل الثاني في الدستور الأميركي، وهو حق حمل السلاح بما في ذلك حق تشكيل المليشيات. الغاية في نظرهم هي ضمان عدم تغول أي حكومة أو جيش على حريات وحقوق الفرد والجماعات والأمة. لكن هذا الأيمان أخذ يتحول أو ينكشف على حقيقته الفوضوية التي تعارض أي حكومة وتقاوم أي سلطة. وقد زادت المواجهات من فرصها وحدّتها بعد تعالي أصوات اليسار وتنمر أدواته السياسية والتشريعية والإعلامية على “البوجاهدين” في حملات نزع السلاح مع كل حادثة قتل جماعي تهز المجتمع الأميركي. ودفعا عن تهم حصرهم باليمين المتدين أو التميز والاصطفاء العرقي الأبيض، يزعم عدد من نشطائهم على منصات التواصل الاجتماعي أن “البوجاهدين” من جميع العرقيات والخلفيات الدينية والفكرية – أللهم سوى الحرص على عدم السماح لأي كان بتجريدهم من سلاحهم أو فرض أي كان ضرائب عالية عليهم أو التدخل في شؤون حياة الناس الخاصة وحتى العامة في القطاعات الحيوية كالتعليم والصحة.

هناك تفاصيل أخرى لا سبيل لذكرها حتى لا نقع في محظور الترويج أو التبرير، لكن الحكم النهائي من وجهة نظر جهات إنفاذ القانون بعد التحقيق والتحري، هي أنها جماعة عنصرية فوضوية عنيفة تقترب شيئا فشيئا من درجة إدراجها على لائحة التنظيمات الإرهابية.

في المقابل، ورغم الفارق الزمني والفكري الكبير بينهما، إلا أن “أنتيفا” التي بدأت في أوروبا بعد الحرب العالمية الأولى باتت قاب قوسين أو أدنى من تسجيلها كتنظيم إرهابي، إثر دعوة الرئيس الأميركي دونالد ترامب في معرض تنديده بأعمال العنف والسلب والنهب التي شوهت مسيرات التنديد بجريمة قتل جورج فلويد الأميركي الأسود (من ذوي أصول إفريقية) في مينابوليس بولاية مينيسوتا قبل أسبوع.

أنتيفا هي اختصار لكلمتي “ضد الفاشية” وقد أطلت برأسها الأسود المحمر كما تشير رايتها في مواجهات دامية مع رجال الشرطة من ضمنها حركة احتلال شارع وول ستريت أيقونة المال والأعمال في أميركا والعالم كله، في نيويورك بعد أزمة الركود الاقتصادي عام ألفين وثمانية.

ولأن شبابنا ككبارنا، في زمن “التابلت” الألواح الإلكترونية والهواتف الذكية لا يقرأون سوى العناوين ولا يكملون القراءة لسرعة ضجرهم، فإن الكثيرين بمن فيهما الصحافة، يتوقفون عند دعوة أنتيفا للقضاء على الفاشية – وهو أمر في ظاهر حسن- لكن المشكلة هي في الشطر الأخر وهو القضاء على الرأسمالية في بلاد يقوم اقتصادها على الاقتصاد الحر. والطامة الكبرى هو في تسويغ العنف على غرار “البوجاهدين” تحت غطاء الدفاع عن حقوق المحرومين والمسروقين. كل ذلك في إطار من الحشد والتعبئة التي تجعلك في أتون معركة حامية الوطيس مع “الشباب” وقد “فار دمهم” انتصارا لضحايا الفاشية والرأسمالية التي تتطلب عدوا قابل للاشتباك وهو في هذه الحالة الشرطة وعلى مرأى ممن يقتات ويسمن على وقع الإثارة والعنف وهما الصحافة وهوليوود الشريكتان البريئتان أو المغرضتان في هذه المعركة – غير المتكافئة والعنيفة بالضرورة.

لقد اجتمع المتباعدان “الشامي والمغربي”: البوجاهدين والأنتيفا على إحراج وإيذاء ترامب في هذا التوقيت القاتل. ومما لا شك فيه أن فايروس ووهان الصيني والضابط ديريك شوفين (المتهم بقتل جورج فلويد)، ساهما في تعجيل هذا الاستحقاق الأمني الذي غابت عنه المؤسسة الأمنية لا بل وأركان الدولة العميقة كلها في أميركا كثيرا.

 تحضرني الأن صورة رجل الإطفاء الأميركي وهو يحمل أشلاء طفل إثر تفجير أوكلاهوما سيتي منتصف تسعينيات القرن الماضي. ما زلت أذكر وعلى نحو فوتوغرافي صورة الغلاف كما قرأته في الصحافة البريطانية وكانت عبارة واحدة بالخط الأسود العريض: باسم الله. بمعنى أن مدبر التفجير إرهابي إسلامي قام بفعلته النكراء باسم الله. ليتضح بعد التحقيق أن الفاعل هو مما صار يعرف فيما بعد بالإرهاب الداخلي (المحلي) ثأرا لحصاري واكو و روبي ريدج حيث قام ضابط أميركي عسكري أمني سابق يدعى تيموثي ماكفي بتفجير شاحنة متروسة بالمواد شديدة الانفجار في مرأب مبنى فيدرالي راح ضحيته نحو مئة وسبعين شخصا من بينهم قرابة العشرين طفلا.

هي تركة ثقيلة أخرى على ترامب أن يتخلص منها بحكمة بما لا يهدد مصيره في البيت الأبيض ويضمن استئنافا آمنا لأربع سنوات هي بمثابة حصاد ما زرعه من وعود انتخابية وأهمها “بقاء أميركا عظيمة”

 الكل يدرك أن من ميزات القادة العظام كما يدرس في كليات إعداد القادة العسكريين وكبار مسؤولي الدولة هو حسن استشعار الأمور الراهنة والمتغيرات وتقدير الاستجابات المناسبة لها وموازنة الأولويات بحكمة ومرونة وأناة ومثابرة. ولعله من جميل تعبير المصطلح المستخدم في وصف أولئك الإرهابيين من بوجاهدين وأنتيفا أنهم وغيرهم نتائج ما يعرف بالإرهاب المحلي. حرفية المصطلح تقول الإرهاب “المزروع” محليا (هوم غرون تيرور). فهي بشكل أو بآخر حصاد ما زرعنا. 

الدراسة الأكاديمية والخبرة المهنية تجمع على أنه وكما فيما يخص قضايا الصحة العامة، الوقاية خير من العلاج. وعليه فإن بضعة باحثين لا يتعدون أصابع اليد الواحدة، قادرين على ما ستعجز عن تحقيقه جيوش جرارة من الأمن.

 لا بد من مراجعة عميقة شاملة تبدأ بالفكر، نعم الفكر وحتى المشاعر، وإن كان لا يعجب البعض هذه المقولة، فإن الأحداث ما زالت تؤكد صدق أولوية “كسب العقول والقلوب”. إنه الأمن الناعم – يا سادة – لا تستهينوا به…

About Author

Dr. Saud Alsharafat ,Founder, CEO, and Chairman of Shorufat Center for Globalization &Terrorism Studies, Amman-Jordan, with a pioneer’s vision for bringing 28 Year intelligence analysis, operation, counterterrorism and Open-source intelligence (OSINT) professional experience to the private sector.  Professional Adviser on National Security and Strategic Studies at European Centre for Counterterrorism and Intelligence Studies - Germany & Netherlands.  Author of two books: Globalization and Terrorism: Flat World or Deep Valleys? Ward Book, Amman- Jordan 2011, 2015. And Global Terrorism And Extremism: Phenomena struggle and Paradigm Conflict in the Era of Globalization, Al Dar Al Ahlia For Publishing & Distribution, Amman, first published 20016.

Leave A Reply