حالة الإرهاب في الأردن

0

ساهم الموقع الجيوسياسي للأردن منذ بداية تأسيسه بعد الحرب العالمية الأولى 1921م بوجود حدود طويلة ملتهبة مع سوريا والعراق والمملكة العربية السعودية، والسلطة الفلسطينية وإسرائيل والتسارع المتزايد للعولمة، بجعله أكثر هشاشة أمام سهولة تداعي انتقال الأحداث والتطرف العنيف والارهاب.
أحد الآثار السلبية لهذه الأحداث هو زعزعة استقرار البنى الاجتماعية والاقتصادية القديمة للمجتمع الأردني، مما أدى إلى إنشاء مجموعات أيديولوجية ساخطة لم تجد سوى التطرف العنيف والكراهية والإرهاب كطرق للتعبير عن نفسها. ولذلك، واجه الأردن طوال تاريخه موجات مختلفة من الإرهاب، من الجماعات اليسارية والقومية إلى الجماعات السلفية الجهادية المعاصرة.
أصبح الأردن عُرضة لموجاتٍ عنيفة من التطرف العنيف والإرهاب بسبب الصراع العربي الإسرائيلي. ونتيجة لذلك، شهد الأردن أول عملية اغتيال إرهابية في تاريخه عندما اغتيل الملك عبد الله الأول (المؤسس) يوم الجمعة 20 تموز/يوليه 1951 خارج المسجد الأقصى في البلدة القديمة بالقدس. ومنذ ذلك الحين، شهد الأردن ما مجموعه (168) عملية ارهابية. من ضمنها (138) عملية إرهابية فعلّية، نتج عنها مقتل (175) شخصاً، (16) منهم قتلوا باستخدام أسلوب الاغتيالات. على رأس القائمة اثنان من أهم رؤساء الوزارات الأردنية، و6 دبلوماسيين كبار، بينهم 3 سفراء في أوروبا الغربية وعدد من كبار الرتب العسكرية في القوات المسلحة والاجهزة الأمنية. بينما بلغ العدد الاجمالي للجرحى (348) شخصاً. وهناك (30) عملية إرهابية فاشلة تم إحباطها قبل تنفيذها من قبل “دائرة المخابرات العامة”.
وعلى عكس الافتراض الذي يقول إن “الإرهاب العابر للحدود قد انخفض بشكل كبير في فترة ما بعد الحرب الباردة بسبب انخفاض رعاية الدولة له، وزيادة الجهود والتعاون المحلي والدولي لإحباط، ومكافحة الإرهاب، وزوال العديد من الجماعات اليسارية والثورية والقومية، بقي الإرهاب في الأردن يحافظ على نفس الوتيرة والمستوى من التواجد والتهديد.
إنّ المؤشرات الكمية المتوفرة لدينا توفر صورة لتاريخ الارهاب في الاردن منذ تأسيسه عام 1921م حتى 2022م. ومن خلال هذه المؤشرات نجد أن العدد الإجمالي للعمليات الإرهابية قبل هجمات 9/11 كان أعلى بنسبة 50٪ تقريبا مما كان عليه في حقبة ما بعد هجمات 11 ايلول 2001م حيث بلغ عدد العمليات الإرهابية التي شنت في الأردن خلال الفترة من عام 1921إلى 31 كانون الأول -ديسمبر 2021م ما مجموعه (136 (عملية إرهابية، أسفرت عن مقتل (171) شخصاً، وجرح (341)آخرين ، منها 34 عملية (25.7٪ من الإجمالي) نسبت إلى منفذين مجهولين . بالإضافة إلى ذلك، تم تسجيل 30 مخططا إرهابيا تم إحباطه قبل تنفيذه من قبل “دائرة المخابرات العامة” (GID) ،وهي غير مشمولة بإحصائية العدد الاجمالي للعمليات الارهابية هنا .
يتميز الأردن بمعدل منخفض من العمليات الإرهابية على مؤشرات الإرهاب العالمية مقارنة مع الدول الأخرى في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ولكنه ثابت تقريبا في المعدل السنوي. حيث شهد عمليتين ارهابيتين في المعدل السنوي منذ ثلاثة عقود، حسب نتائج “مؤشر الإرهاب في الأردن”(TIJ) الذي يصدره “مركز شرفات لدراسات وبحوث العولمة والإرهاب” في الأردن . وجاء ترتيب الأردن على مؤشر الإرهاب العالمي (GTI) لعام 2022م ضمن الدول منخفضة الإرهاب. حيث جاء بالمرتبة 58 من أصل 163 دولة يغطيها المؤشر، بمعدل 2.59عملية في السنة . وهو نفس المعدل السنوي تقريبا الذي توصل اليه مؤشر الإرهاب في الأردن”(TIJ) الذي يصدره “مركز شرفات لدراسات وبحوث العولمة والإرهاب” في الأردن .
اما على “مؤشر السلم العالمي” (GPI) لعام 2022م فقد لوحظ بان ترتيب الأردن قد تحسن كثيراً، إذ انتقل من مستوى “متوسط الأمن” الى مستوى “مرتفع الأمن “حيث جاء في المرتبة 57 عالمياً بعد أن كان في المرتبة 63 عام 2021م من أصل 163 دولة يغطيها المؤشر . كل هذا وسط تواجد مؤثر للتيارات السلفية، خاصة الجهادية، التي بدأت بالظهور في الأردن بداية 1980 .ومشاركة مئات من التيار بالحرب في أفغانستان خلال الفترة 1979-1989 .
هناك تفاوت كبير وعدم اتفاق بين الباحثين في تقدير حجم التيار السلفي الجهادي في الأردن. وهذا يعكس مشكلة عدم توفر البيانات والاحصائيات الدقيقة من قبل الجهات الرسمية المختصة. ولذلك قدرت “مصادر مستقلة عدد أفراد التيار في الأردن في 2011 بنحو 1000 فرد دون اعتبار أسرهم” . بينما ادعت مصادر أخرى الى ان “أعدادهم يصل الى نحو 5000 فرد، وانهم مجرد جزء من المجموعات السلفية الأوسع نطاقاً في الأردن، وأن “عدادهم يصل إلى 15000 فرد يتواجدون إلى جانب السلفيين التقليديين والإصلاحيين. وأنه حتى العام 2011، كان السلفيون الأردنيون، والجهاديون من بينهم، يعملون في الخفاء بشكل أساسي، إلا أن الاحتجاجات التي شهدتها البلاد في ذلك العام سمحت لهم بالخروج إلى العلن والظهور أكثر على الساحة العامة من خلال المشاركة في التظاهرات والاعتصامات. وشكّلت الحرب في سورية نقطة تحوّل إضافية. فقد شهدوا تحوّلاً أيديولوجياً ترافق مع تركيز جديد على “العدو القريب” وبذْل محاولات لإنشاء ما يسمونه “ديار التمكين” في سورية، بهدف الحصول على حصن يستطيعون أن يوسّعوا من خلاله أنشطتهم باتجاه بلدان أخرى في المنطقة عبر البناء على التدريب الذي خضعوا له” . فبعد أحداث الربيع العربي واندلاع الحرب في سوريا وظهور داعش في أبريل 2013، حيث تصاعدت وتيرة الإرهاب في جميع أنحاء الشرق الأوسط، والعالم “تأثر الأردن “بشكل مباشر بعواقب الحرب” . ووفقا لبعض التقديرات، انضم ما مجموعه 1250-3000 مقاتل أردني إلى داعش وهيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقا) في سوريا .وتشير بعض المصادر غير الرسمية أن هناك نحو 300 إرهابي عادوا إلى الأردن منذ بداية الأزمة في سوريا في عام 2011، معظمهم يقضي اليوم عقوبات بالسجن مع الأشغال الشاقة المؤقتة في مركز إصلاح وتأهيل “الموقر” 1 و2 الخاص بسجناء التنظيمات الإرهابية .
في نفس الوقت، اشارت “مصادر مفتوحة” الى ان عدد المعتقلين بتهمة الإرهاب في مراكز الإصلاح والتأهيل الأردنية بلغ 500 في شهر آب -أغسطس 2016م . لكن هذا العدد زاد في 30-5-2019 م الى ما مجموعة (623) معتقلاً . ولا تتوفر حالياً أي أرقام عن عددهم الإجمالي حالياً.
الخطير في الأمر أن الإرهاب العالمي لا يزال ينتشر كوحش الهيدرا (Hydra) برؤوسٍ متعددة. وهذا واضح من كلام فلاديمير فورونكوف – وكيل الأمين العام – مدير مكتب الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب، في أحدث تقرير للأمم المتحدة عن خارطة الارهاب العالمي، في 9 شباط -فبراير 2023م، حيث ” شدد على الحاجة إلى اتخاذ إجراءات عالمية متضافرة. وذكر أن تهديد داعش لا يزال مرتفعا وازداد في مناطق النزاع وحولها حيث تنشط المجموعة والجماعات التابعة لها. وأشار الى زيادة خطر وقوع هجمات في المناطق غير المتنازع عليها من قبل “الذئاب المنفردة”، وخلايا صغيرة تستلهم (inspired by) فكر داعش مع تخفيف القيود المتعلقة بوباء كوفيد -19. وأن مستوى النشاط الإرهابي لا يزال يشكل مصدر قلق للدول” .
وبالفعل، كما ذكر فورونكوف فان الإرهاب، ما يزال خطرا داهما، ويشكل مصدر قلق في الأردن . ودليل ذلك، على سبيل المثال العمليتين الإرهابيتين اللتان جرتا في الأردن نهاية عام 2022م في قرية الحسينية -محافظة معان جنوب الأردن التي لا تزال تعتبر أحد بؤر تواجد التيار السلفي الجهادي في الأردن. الأمر الذي اثار الكثير من الأسئلة لدى المراقبين في الأردن حول حقيقة وجود الخلايا الإرهابية النائمة وهجمات الذئاب المنفردة، واستغلال الجماعات الإرهابية لتردي الأوضاع الاقتصادية والقضايا المطلبية والاحتجاجات والمظاهرات والاعتصامات السلمية الناتجة عن تداعيات تطبيق الأمنّنة securitization)) لمواجهة أزمات فيروس كورونا . وقد نتج عن هذه العمليات مقتل أربعة، وجرح سبعة من كوادر الأمن العام. حيث جرت العملية الأولى الخميس 16-12-2022م ونتج عنها مقتل نائب مدير شرطة محافظة معان وهو برتبة عميد Brigadier General))، وجرح اثنان، أحدهم برتبة ملازم، والآخر برتبة عريف (Corporal).
والعملية الثانية، وهي تابعة للعملية الأولى، وجرت بتاريخ الاثنين 19-12-2022م على أثر عمليات المتابعة الاستخبارية للعملية الأولى. ونتج عنها مقتل ثلاثة من مرتبات الأمن العام. الأول برتبة نقيب، والثاني برتبة ملازم ثاني، والثالث برتبة عريف. إضافة الى مقتل الإرهابي، وجرح خمسة من مرتبات الأمن العام، واعتقال تسعة اشخاص، سبعة منهم من نفس عائلة الإرهابي .
وقد إشارات وسائل الاعلام المحلية الى ان منفذ العملية الإرهابية هو طالب جامعي من مواليد عام 2002م ينتمي لعشيرة العودات التي تتبع لقبيلة الحويطات البدوية الكبيرة في جنوب الأردن . فيما أعلنت مديرية الأمن العام في بيان رسمي لها نشر في وسائل الاعلام المحلية أن المنفذ هو “من حملة الفكر التكفيري” . وبينما لم تعلن اية جهة مسؤوليتها عن تلك العمليات الإرهابية، اشارت بعض التسريبات التي نشرت في وسائل الاعلام المحلي الى أن أعضاء الخلية التي كانت تقف وراء تنفيذ العملية ينتمون الى “هيئة تحرير الشام “- جبهة النصرة سابقاً- خاصة وان أحد اشقاء منفذ العملية كان ينتمي اليها، وقتل في سوريا قبل خمسة سنوات ، وشقيق آخر معتقل منذ عام 2021م بتهمة الإرهاب في مراكز الإصلاح والتأهيل في الأردن .

مدير مركز شُرُفات لدراسات وبحوث العولمة والإرهاب
الدكتور سعود الشَرَفات

About Author

Saud Al-Sharafat ,Phd https://orcid.org/0000-0003-3748-9359 Dr. Al-Sharafat is a Brigadier-General (Ret), Jordanian General Intelligence Directorate (GID). Member of the National Policy Council (NPC), Jordan, 2012-2015. The founder and director of the Shorufat Center for Globalization and Terrorism Studies, Amman. His research interests focus on globalization, terrorism, Intelligence Analysis, Securitization, and Jordanian affairs. Among his publications: Haris al-nahir: istoriography al-irhab fi al-Urdunn khelall 1921-2020} {Arabic} {The River Guardian: the historiography of terrorism in Jordan during 1921-2020}, Ministry of Culture, Jordan, www.culture.gov.jo (2021). Jordan, (chapter)in the Handbook of Terrorism in the Middle East, Insurgency and Terrorism Series, Gunaratna, R. (Ed.), World Scientific Publishing, August 2022, 47-63 https://doi.org/10.1142/9789811256882_0003. Chapter” Securitization of the Coronavirus Crisis in Jordan, “Aslam, M.M., & Gunaratna, R. (Eds.). (2022). COVID-19 in South, West, and Southeast Asia: Risk and Response in the Early Phase (1st ed.). Routledge. https://doi.org/10.4324/9781003291909

Comments are closed.