ما هي أبرز نتائج مؤشر السلام العالمي لعام 2020؟(Global Peace Index)

0

الدكتور سعود الشرفات

يعاني العالم العربي من ندرة وجود الدراسات المستقبلية والمؤشرات الرقمّية التي تغطي كافة مناحي الحياة. وهذا عائدٌ، برأيي، إلى تخلف المنظومة المعرفية العربية المعاصرة، التي ما زالت في عمومها تستند إلى الغيبيات والميتافيزيقيا والركون إلى المعرفة المعيارية والآراء والانطباعات الشخصية بدون تمحيص أو اختبار.

اقرأ أيضاً: من الهرمية إلى الشبكية: موقع المتفرج لم يعد آمناً

نتيجة لذلك، يسرع المواطن العربي إلى الاقتناع وتصديق أي تصريح أو خطاب، خاصة الخطاب الرسمي، تنشره وسائل الإعلام المختلفة، ولا سيّما من خلال وسائل التواصل الاجتماعي. وهناك الكثير من الأمثلة على القضايا الحياتية اليومية التي تتجلّى فيها هذه الحالة. على سبيل المثال قناعة بعض الدول بأنّها من أكثر الدول أمناً في العالم، أو أكثر الدول تسامحاً، أو أكثر الدول نجاحاً في مقاومة وباء كورونا.

ماتزال أيسلندا البلد الأكثر سلاماً في العالم وهو الترتيب الذي تحتله منذ العام 2008

الخطورة في مثل هذه القناعات أنّها، في الكثير من الأحيان، ليست دقيقة، وقائمة على الحدس والانطباعات الشخصية -كما أسلفت- ولذلك يتفاجأ وينصدم المواطن العربي، وربّما لا يصدّق، عندما تظهر المؤشرات العالمية عدم صحة هذه القناعات.

ما أردت الإشارة إليه في هذه المقدمة البسيطة هو التأكيد على أهمية وجود المؤشرات والإحصائيات المستقلة والدقيقة في حياتنا اليومية، وألّا نبقى في العالم العربي نتّهم المؤشرات العالمية بعدم الحيادية، وأنّ العالم الغربي يتآمر علينا.

اقرأ أيضاً: بعد قرار الحل.. هل تتمكن جماعة الإخوان في الأردن من استعادة توازنها؟

في الوقت نفسه أودّ ان أستعرض نتائج واحد من أهمّ المؤشرات العالمية اليوم، ألا وهو مؤشر السلام العالمي لعام 2020م (Global Peace Index)الذي يقيس مستوى السلام العالمي في 163 دولة في العالم، ويصدره “معهد الاقتصاد والسلام”، الذي يُصدر عدداً آخر من المؤشرات المهمّة، مثل مؤشر الإرهاب العالمي. ويغطي المؤشر 99.7 في المئة من سكّان العالم، باستخدام 23 مؤشراً نوعياً وكمياً من مصادر تحظى باحترام كبير، ويقيس حالة السلام عبر 3 مجالات: مستوى السلامة والأمن المجتمعيين؛ ومستوى مدى الصراعات المحلية والدولية المستمرة؛ ودرجة العسكرة في الدولة.

أبرز نتائج المؤشر

أظهر المؤشر أنّ أيسلندا ما تزال البلد الأكثر سلاماً في العالم، وهو الترتيب الذي تحتله منذ العام 2008. وقد انضمّت في أعلى المؤشر كلٌّ من نيوزيلندا والنمسا والبرتغال والدانمارك، بينما جاءت أفغانستان في نهاية الترتيب كأقلّ دولة سلماً في العالم، للعام الثاني على التوالي، تليها سوريا والعراق وجنوب السودان واليمن. وقد تمّ تصنيف الجميع، باستثناء اليمن، بين البلاد الخمسة الأقل سلاماً منذ عام 2015 على الأقل.

جاءت أفغانستان في نهاية الترتيب كأقلّ دولة سلماً في العالم للعام الثاني على التوالي

أظهر مؤشر السلام العالمي لعام 2020 أنّ العالم الآن أقلّ سلاماً بكثير ممّا كان عليه عند بداية المؤشر، وأنّ السلام العالمي ينخفض للمرّة الرابعة في السنوات الخمس الأخيرة. فقد تدهور متوسط مستوى السلام العالمي بنسبة 0.34 في المئة على المؤشر لعام 2020. وهذه هي المرّة التاسعة خلال السنوات الاثنتي عشرة الماضية التي يتدهور فيها السلام العالمي.

وفي العام الماضي، سجل 80 بلداً تدهوراً في حالة السلام، بينما سجل81 بلداً تحسناً. كما أنّ الفجوة بين أقلّ البلدان وأكثرها سلاماً آخذة في الاتساع. ومنذ عام 2008، انخفضت البلدان الخمسة والعشرون الأقلّ سلاماً في المتوسط بنسبة 12.9 في المئة، في حين تحسنت البلدان الخمسة والعشرون الأكثر سلاماً بنسبة 2.1 في المائة.

اقرأ أيضاً: ما المقصود بـ”أمننة” مواجهة كورونا.. وهل تدرك المجتمعات عواقبها؟

وقد شهد مستوى الاضطرابات المدنية ارتفاعاً حاداً على مدى العقد الماضي، حيث شهد أكثر من 96 بلداً مظاهرة عنيفة واحدة على الأقل في العام 2019. وفي فترة 2011-2019 ارتفع عدد أعمال الشغب والإضرابات العامة والمظاهرات المناهضة للحكومة في جميع أنحاء العالم بنسبة 244 في المئة.

وشهدت أوروبا أكبر عدد من الاحتجاجات وأعمال الشغب والإضرابات خلال هذه الفترة، حيث بلغ مجموعها حوالي 1600 في الفترة من 2011 إلى 2018. وكانت نسبة 65 في المئة من أحداث الاضطرابات المدنية في أوروبا غير عنيفة.

أمّا في أفريقيا، فقد ارتفعت الاضطرابات المدنية في أفريقيا جنوب الصحراء بأكثر من 800 في المئة خلال الفترة نفسها، من 32 عملية شغب واحتجاج في عام 2011 إلى 292 في العام 2018.

ولم تصبح سوى اثنتين من المناطق التسع في العالم أكثر سلاماً خلال العام الماضي. وحدث أكبر تحسّن في منطقة روسيا وأوراسيا، تليها أمريكا الشمالية. كانت أمريكا الشمالية المنطقة الوحيدة التي سجلت تحسينات في جميع المجالات الثلاثة، في حين سجلت روسيا وأوراسيا تحسينات في الصراعات والسلامة والأمن، ولكن تدهور مجال العسكرة.

اقرأ أيضاً: المفاهيم المختلطة: كيف نفصل بين الإرهاب وجرائم الكراهية؟

وسجلت أمريكا الجنوبية وأمريكا الوسطى ومنطقة البحر الكاريبي أكبر وثاني أكبر تدهور في المؤشر لعام 2020. وفي حين أنّ متوسط تدهور السلامة في أمريكا الجنوبية كان مدفوعاً بتدهور الأوضاع العسكرية والسلامة والأمن، فإنّ الانخفاض في السلامة في أمريكا الوسطى ومنطقة البحر الكاريبي كان مدفوعاً بالتغيرات في الصراعات الجارية.

بلغ الأثر الاقتصادي للعنف على الاقتصاد العالمي في عام 2019 ما قيمته 14.5 تريليون دولار، من حيث تعادل القوة الشرائية (PPP). وهذا الرقم يعادل 10.6 في المئة من النشاط الاقتصادي العالمي (الناتج العالمي الإجمالي) أو 909, 1 دولارات للشخص الواحد.

اقرأ أيضاً: هل خطر الإرهاب البيولوجي مستبعد؟

وقد تحسّن التأثير الاقتصادي للعنف بنسبة 0.2 في المائة بين 2018 إلى عام 2019. وكان التحسّن الأكبر في الصراع المسلح، الذي انخفض بنسبة 29 في المئة إلى 521 بليون دولار، بسبب انخفاض حدة الصراع في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. كما حدث انخفاض كبير في الأثر الاقتصادي للإرهاب، الذي انخفض بنسبة 48 في المئة من عام 2018 إلى عام 2019.

بالإضافة إلى عرض النتائج التي توصل إليها المؤشر عام 2020، أعلاه، تضمّن تقرير هذا العام تحليلاً لتأثير وباء “كوفيد-19” على السلام، بما في ذلك ما أطلق عليه المؤشر اسم “السلام الإيجابي” الذي يعني المواقف، والمؤسسات والهياكل التي تخلق مجتمعات سلمية وتحافظ عليها. ويبحث التقرير كيف أنّ تأثير الوباء، ولا سيّما عواقبه الاقتصادية، سيزيد من خطر التدهور الحاد في السلام الإيجابي على مدى السنوات القليلة المقبلة، ويبحث أيضاً البلدان التي هي في أفضل وضع للتعافي من الصدمة.

يبحث التقرير كيفية تأثير الوباء بعواقبه الاقتصادية وزيادة خطر التدهور الحاد في السلام الإيجابي

يسلّط المؤشر الضوء على السلام الإيجابي، مؤكداً أنّه يوفر إطاراً لتفسير ووصف أزمة كوفيد-19، وأنّ الدول التي من المرجّح أن تتعافى بسرعة نسبياً من الأزمة هي الدول التي تجمع بين مستويات منخفضة من الدَّين العام، والأداء الحكومي القوي في كافة المستويات.

ويتوقع المؤشر أن تُدخل الأزمة والاستجابة للعزلة الاجتماعية معظم البلدان في حالة ركود في العام 2020. ومن المرجّح أن تعاني صناعة السفر والسياحة من انكماش شديد. وأنّ البلدان التي تتمتع بالسلام الإيجابي القوي لديها قدرة أكبر على استيعاب الصدمات والتكيف معها والتعافي منها، ومن الركود الذي أعقب أزمة الوباء.

اقرأ أيضاً: الإرهاب: النظرية والتاريخ والتحديات المعاصرة

وقد علّق ستيف كيليليا (Steve Killelea)، المؤسس والرئيس التنفيذي لمعهد الاقتصاد والسلام، على نتائج المؤشر قائلاً: “إنّ التوترات الأساسية التي حدثت في العقد الماضي حول الصراعات والضغوط البيئية والصراعات الاجتماعية – الاقتصادية ما زالت قائمة. ومن المرجّح أن يؤدي التأثير الاقتصادي لوباء كورونا إلى زيادة حدّة هذه التوترات من خلال زيادة البطالة، واتساع فجوة عدم المساواة، وتدهور ظروف العمل، ممّا يؤدي إلى الاغتراب عن النظام السياسي وزيادة الاضطرابات المدنية، ولذلك نجد أنفسنا في منعطف حرج”.

في الخلاصة؛ يمكن لكلّ مواطن عربي الاطلاع على نتائج المؤشر بالتفصيل ليرى ترتيب دولته على هذا المؤشر، ويتأكد ويختبر صدق انطباعاته وقناعاته، فما قمت به هو مجرد استعراض لأبرز نتائج هذا المؤشر فقط؛ لأنه طويل ومفصّل ومن الصعب استعراضه في مقال قصير.

About Author

Dr. Saud Alsharafat ,Founder, CEO, and Chairman of Shorufat Center for Globalization &Terrorism Studies, Amman-Jordan, with a pioneer’s vision for bringing 28 Year intelligence analysis, operation, counterterrorism and Open-source intelligence (OSINT) professional experience to the private sector.  Professional Adviser on National Security and Strategic Studies at European Centre for Counterterrorism and Intelligence Studies - Germany & Netherlands.  Author of two books: Globalization and Terrorism: Flat World or Deep Valleys? Ward Book, Amman- Jordan 2011, 2015. And Global Terrorism And Extremism: Phenomena struggle and Paradigm Conflict in the Era of Globalization, Al Dar Al Ahlia For Publishing & Distribution, Amman, first published 20016.

Leave A Reply